يعتقد الكثيرون بأن كتابة أدب الأطفال هي عمل سهل وبسيط – فيظنون أنها مجرد مجموعة كلمات نرتبها، ونمرر من خلالها الرسالة التي نسعى إليها، قصة قصيرة من مقدمة وعقدة ونهاية، ثم مباشرة نشكّلها، وانتهينا – لدينا قصة أطفال تامة ينقصها فقط رسومات.
ربما تعمل بعض دور النشر بهذه الطريقة، وربما ينتج معها أفكار مثيرة، ولكن أدب الأطفال لا يعمل بهذه الطريقة. كتابة أدب الأطفال بحاجة إلى متابعة مهنية متخصصة، لا تقتصر فقط على المتابعة اللغوية أو النفسية – بل كذلك على المتابعة الأدبية. أو ما يسمى في مجال أدب الأطفال العالمي – التحرير الأدبي.
أدب الأطفال هو أدب مميز عن أدب البالغين لكونه خادم سيدين – فسيده الأول هو جهاز التربية والتعليم، والسيد الثاني هو المنظومة الأدبية. في العادة نتجاهل السيد الثاني، ونتعامل مع أدب الأطفال فقط على أنه أدب تعليمي، وطريق التربية والتعليم، سرعان ما تنغمس بطريق الوعظ، فدون وفاء أدب الأطفال للسيد الأدبي، نجده يتحوّل بسهولة إلى نص وعظي برداء تربوي. المحرر الأدبي، هو الفارس الأول والأخير لضمان وفاء الأدب للمنظومة الأدبية.
المحرر الأدبي المهني مطّلع على أدب الأطفال بكافة أنواعه وثقافاته وتاريخه، ويعرف جيدًا الأدوات المركزية لتطويره. فكلما كان المحرر أكثر اطّلاعًا على أدب الأطفال العالمي، ومن ثقافات مختلفة أكثر، مكنه ذلك من فهم خصوصية الثقافة التي يعمل فيها، وكشفه أكثر لمهارات كتابية في أدب الأطفال. وظيفة المحرّر الأساسية هي أن يرافق الكاتب طوال رحلة الكتابة، ويطبق معه كافة المهارات المطلوبة لتطوير النص من ناحية أدبية.
ما أسميه هنا التحرير الأدبي، يدعى في السوق العالمي [Developmental Editing / Content Editing] أي التحرير المضموني أو التنموي، وهو يشمل هيكلة أو إعادة هيكلة عامة للنص. هم الأشخاص الذين يتعاملون معك خلال المسودات الأولى للنص. بالعادة تتطور علاقة ودية جدًا مع هؤلاء المحررين، حيث يقدمون مشورة كبيرة ونقدًا بناءً وكلمات تشجيعية للكاتب، وفي الكثير من الأحيان يكونون مرافقين لبداية الطريق في عالم الأدب. أحيانًا يختلف المؤلفون مع المحرر الأدبي على نقاط معيّنة، ولكن في النهاية هدف هذا المحرر هو تطوير النص أكثر من اقناع المؤلف، فبعض المحررين يلجأون لدار النشر لتحل النزاع أو النقاش، وهي بدورها تصادق على فكرة المحرر في معظم الأحوال بسبب تجربته في المجال. بالرغم من هذا، فتجربة المحررين تجعلهم يعرفون التعامل مع المؤلفين ويتمكنون من اقناعهم أو ايجاد بدائل نصية وفية لصوت المؤلف في سردية القصة.
المحرر الأدبي المهني قادر على تقديم النصائح حول معايير السوق المختلفة، والمساعدة في إعادة صياغة النص إذا لزم الأمر، وتزويد المؤلف بنظرة إبداعية وحلول واضحة للمشاكل أو الثقوب في الحبكة.
* توطيد العلاقة بين نوايا المؤلف والحبكة
* تطوير علاقة القصة بالثيمة المركزية لها
* متابعة سلاسة القصة ومنطق تسلسل أحداثها بين الصفحة والأخرى
* بناء وبلورة شخصيات مقنعة ومصقولة جيدًا
* تطوير لغة الحوار وأنواعه في النص
* ترجمة العواطف وتمثيل المشاعر إلى نص مكتوب
* توطيد العلاقة بين وتيرة القصة والأحداث
* توقّع أولي للقراءات النقدية التي قد تكتب حول القصة
* مقارنة القصة مع أدب أطفال شبيه وتطوير ما يميّزها عنه
* غربلة النص – واحدة من أهم أدوات التحرير هي استخلاص النصّ من الشوائب. بالذات في الكتابة باللغة العربية، يعبر المولفون عن أفكارهم بالكثير من الكلمات – والبعض يسمي هذه الظاهرة بالحشو. فجملة مثل "أكل الولد التفاحة"، قد تتحول بسرعة إلى نص تفصيلي جدًا – "رأى الولد التفاحة، وتأملها متخيّلًا مذاقها، فحملها وقضم أول قضمة، ثم الثانية، حتى انتهى منها وأبقى فقط ذلك الجزء الصغير الذي يحمّل البذور".
* قراءة بصوت – تجربة قراءة النص بصوت عالٍ وبمحاولة لتمثيل أدوار الشخصيات فيه، تؤثر كثيرا وتصقل عملية صياغة النص وتحريره. عند قراءته من طرف آخر يمكن تمييز الجمل الطويلة وتتالي الكلمات المركبة، ما يؤدي لتمييز وتقييم امكانية قراءتها أو تسلسل كلماتها لتحريرها بصورة أفضل.
* تخيّل الرسومات – فقط من يعمل بشكل يومي ومتواصل بشكل مهني مع عالم أدب الأطفال، أو يعمل بنفسه كرسام لأدب الأطفال، يتمكّن من بناء صورة تمثّل رسومات النص، في بداية بلورته. تخيّل الرسومات يفيد كثيرًا في عملية تحرير النص، لأنه يمكّن المحرر من اختيار الكلمات والأفكار المركزية التي يجب أن تظهر في كل صفحة، مقابل تلك التي يمكن الاستغناء عنها، بناءً على الرسومات – قبل رسمها.
* تقسيم الصفحات – هذه الأداة هي عمليًا أكثر أداة مركبّة بين هذه الأدوات المذكورة هنا – فهي تتطلّب نظرة فوقية على النص أولًا، ثم نظرة عينية تتمحور حول كل صفحة. هناك عدة توجهات يعتمدها المحررون، فبعضهم يعتمد توجهات سينمائية أو مسرحية لتقسيم الصفحات، والآخرون يعتمدون على توجهات من عالم السرد العبثي أو من العالم ما بعد الحداثي. طبعًا هناك العديد من التوجهات الأخرى، والمشترك بينها أن جميعها تستعمل تقسيم الصفحات كأداة لفهم كمالية النص.
عادة يختلف موضوع التحرير في العالم بحسب مهنية السوق وحجمه. فكلما كان سوق أدب الأطفال أكبر، كانت دور النشر مهنية أكثر بعملها، وعندها نجدها هي المموّل والموظِّف الأول للمحرر الأدبي. لكن عند الحديث عن أسواق ضعيفة وهشّة، تعتمد على دور نشر تقليدية تتمحور اصداراتها حول أسواق ضئيلة، نجدها تصدر العنوان بطبعة واحدة فقط، بعدد صغير جدًا من النسخ، فتتنازل عادةً عن التحرير الأدبي، وتعتمد فقط على تجربة الناشر، مهما كانت بدائية.
من حق كل كاتب ومؤلف أن يطلب من دار النشر العمل مع محرر أدبي على النص قبل إصداره. ولكن ان لم يتوفر الأمر، فهناك الكثير من المحررين الذين يعملون بشكل مستقل، دون علاقة حصرية مع دور نشر معينة، فيتوجه إليهم المؤلفون مباشرة لتطوير نصوصهم قبل ارسالها لدور النشر.
كما يحتاج كل كاتب إلى محرر، يحتاج كل كاتب أدب أطفال إلى تحرير أدبي لنصه. ان كنتم تكتبون للأطفال فلا تتنازلوا عن هذه الفرصة!
تعليقات (0)
إضافة تعليق