حكايا

مسرحيّة جلنار


مسرحيّة جلنار
حين يكتشف التّنين أن قوّته تنبع من الدّاخل
نورة صالح

في نوفمبر الماضي رافقتُ ابنتَيَّ إلى العرض المسرحي الجديد جلنار في مسرح الحنين في الناصرة. انطلقت المسرحية قبل ذلك بأقلّ من شهر في عروضها في البلاد، وهي من إنتاج مسرح الهضبة، إخراج لنا زريق، وإعادة كتابة لقصّة عالميّة معروفة باسم "التّنين الأخضر" صاغتها من جديد الممثّلة آمال قيس أبو صالح التي تؤدّي أيضًا دور التنّين الصغير جلنار، ويرافقها في أدوار متعددة الممثّل بسيل أبو جبل.
الحكاية باختصار
تأخذنا المسرحيّة إلى عالمٍ خياليّ يسعى فيه التنّين الصغير جلنار إلى إيجاد حلّ لمشكلته الكبيرة في نظره: أنّه لا يستطيع أن ينفث نارًا مثل بقيّة التنانين، حتّى الأصغر منه سنًّا. يحمل المشهد الأوّل التوتّر والصراع منذ اللحظة الأولى، إذ يرفض جلنار الاحتفال بعيد ميلاده رفضًا تامًّا، فالمتعارف عليه في عالم التنانين أن يشعل التّنين شمعة ميلاده بنفسه بالنفخ عليها. وبما أنّ جلنار عاجزٌ عن ذلك، يصرّ على إلغاء الاحتفال. ومع تراكم أسئلته وقلقه حيال مشكلته يخرج في رحلة للبحث عن حل، ولكن ما ينتج عن هذه الرحلة هو معرفة جلنار أكثر لذاته، هويّته، وأنّ قوّته الحقيقيّة تنبع من الدّاخل.
نقد لاذع للتربية وفق الكتاب
يسأل التّنين والده أسئلة كثيرة ويستشهد بأمثلة حيّة ومنطقيّة وهو يحاجج، وهذا ما يُشعر الأب بأنّه في مأزق فيلجأ إلى الكتاب، كتاب ضخم يَظهر للأطفال المشاهدين بشكلٍ ملوّن وبعنوان "كيف تربّي تنينًا صغيرًا"، يقرأ الأب منه ليجيب عن أسئلة الصّغير مقتنعًا بأنّه هكذا يعطيه إجاباتٍ وحلولًا، لكنها في النهاية لا تكون سوى نصائح غير مقنعة وغير مجدية، تدفع التّنين للبحث عن إجابات شافية خارج البيت، والتّي يحصل عليها فقط بفعل الرّحلة والوقت والتّجربة، لتقول لنا المسرحيّة بأنّ لكلّ طفل مساره الخاص، في النموّ والتكوّن وبلوغ الهدف وأنّ ليس هناك ما يسري على الجميع في الجانب التطوّري.
تبادل خبرات بين الصّغار والكبار
تظهر لنا شجرة الحكايات المُسنّة بوصفها أوّل رفيقة لجلنار في رحلة البحث عن حلٍّ لمشكلته، في إشارة رمزيّة إلى موقع كبار السّن في حياتنا كمصدر للمشورة والخبرة. تمثّل الشجرة أيضًا بوصفها شجرة للحكايات دور الأجداد والجدّات الذين يحفظون الحكايات ويصونون الذاكرة الجمعيّة، فإذا ضعفت ذاكرتهم باتت حكاياتُنا، الّتي تحمل هويّتنا، مهدّدة بالضّياع.
تحاول الشجرة مساعدة جلنار عبر إرشاده إلى ساحرة طيّبة بإمكانها أن تساعده في مشكلته، بينما يُقابل هو مبادرتها بمساندتها في أزمتها: الزهايمر، والعطش، والوحدة، وغياب الزوّار والحكايات الجديدة. هكذا يلتقي الرمزيّ بالواقعيّ؛ فالشجرة تُجسّد في آنٍ الأجداد المفتقدين، والطبيعة التي تذبل حين يُهملها الناس وتقِلُّ القصص حولها.

السّحر، والدّهشة على الخشبة بالصوت والصورة
تخترع السّاحرة ثلاث وصفات سحريّة لجلنار، ينتج من الأولى امكانيّة أن يطلق من فمه فقاعات صابون شفّافة وجميلة تغمر المسرح، ومن الثّانية أسماك كثيرة يبقي معه واحدة كبيرة يخرج بها من وراء السّتارة وتنبثق معها ضحكات الأطفال، ومن الأخيرة أكياس ملوّنة لا نهائيّة يشدّها التّنين من فمه لتثير دهشة المشاهدين الّذين يسألون جلنار "كيف عملتها؟"، وفي المرّات الثلاث كلّها، لا يرضي جلنار أيّ حل من هذه الحلول، ولكنه وقبل أن يغادر السّاحرة وقبل أن ينتهي السّحر، تشير السّاحرة إلى أنّ أمنيتها كانت طوال حياتها أن تكون ساحرة حقيقيّة كتلك الّتي في قصّة السّاحر أوز، وهذا الحلم دفعها لأن تتقمّص هذا الدّور بأشياء وأغراض غير حقيقيّة، مثل استعارة أنفٍ طويلٍ وشعرٍ منكوشٍ وقطّة تستلقي طوال الوقت على كتفها، فيسندها جلنار بقوله بأنّها جميلة وساحرة حقيقيّة دون أن تتخفّى في قالب لا يناسبها، مما يجعلها تؤمن بذاتها، ويتوازى سحر الكلمة بسحر الخشبة في اللحظة الّتي ينتهي فيها المشهد.

الموسيقى كسردٍ موازٍ
في كلّ مرحلة من مراحل رحلة جلنار نحو اكتشاف ذاته، تعلو الموسيقى لتلخّص المشهد للأطفال عبر أغانٍ بسيطة وجميلة تحمل معها خلاصة المشهد، "براسي في مليون سؤال، ليش أنا غير باقي الأطفال" يغنّي جلنار في بداية رحلته، وفي وسطها يشدد على تمسّكه بحلمه "كيف ما القمر حلمه السّهر، كيف ما الغيم حلمه المطر، كيف ما الورد حلمه العطر، أنا جلنار حلمي النّار"، وفي الختام يغلق جلنار الدائرة ليغنّي "أنا تنين الورد، أنا شعلة الربيع، ما بنفخ نار وشرار وبلهبي ما في توليع". الأغاني من كتابة وموسيقى عنان زريق وغناء آمال قيس.
الاختلاف والتميّز خلاصة الرّحلة
يحاول الأب منذ البداية أن يشرح لجلنار بأنّ لديه مميّزات جميلة وخاصّة ولكن جلنار المشغول بعدم اكتمال نموّه وعدم قدرته على نفخ النّار لا يستطيع أن يقنع بما لديه من خصال، إلا أنّ الرحلة الّتي خاضها تجعله يؤمن بمقولة "الكل مش مثل الكل" وأنّ لكل طفل مساره الخاص، صفاته الخاصة، وقدراته الخاصة وأيضًا طريقه الخاص الّذي سيمشيه برضا وتقبّل، وهذا ما كان بعد أن اكتشف جلنار بأنّه يحب الورد، وبأنّه نضج ليستطيع أن ينفث من فمه وردًا ملوّنًا تفوح منه رائحة زهيّة.
كيف يحمي تنّين الورد نفسه؟ سؤال الأهل المقلق
قبل إسدال السّتارة على المشهد الأخير، يوجّه والدُ جلنار، بعد أن اكتشف قدرة ابنه الجديدة على إطلاق الورد بدلًا من النار، سؤالَه القَلِق: "بس كيف بدّك تحمي حالك بالورد؟". سؤالٌ يبدو بسيطًا في شكله، لكنه يحمل مخاوف كثيرة يعرفها كلّ الأهل. وهنا تأتي الإجابة التي تصل إلى جميع الأطفال الجالسين على المقاعد الحمراء في القاعة الكبيرة، حين يقول جلنار إنّ الورد، والكلام الطيّب، والمعاملة الحسنة، يمكن أن تكون قوةً تمنحه حياةً آمنة، مليئة بالعلاقات الدافئة، بعيدًا عن العنف والخوف.

الأداء المسرحي
يتّسم الأداء المسرحي بطاقته العالية وحضوره الدافئ، إذ تنجح الممثلة امال قيس في تجسيد التحوّلات الشعورية التي يمرّ بها جلنار بتناغمٍ واضح بين الحركة، والصوت، وتعبيرات الوجه والأداء الغنائي. تتوزّع الحركة على الخشبة بشكل مدروس يجعل الطفل يتابع مجريات القصّة بسهولة، بينما يضيف توظيف الإيماءات الخفيفة واللغة الجسدية الدقيقة عمقًا للمشهد. أمّا تلوّن الأصوات والشخصيات الّتي يقوم بها الممثل بسيل أبو جبل في تقمّصه لعدة أدوار مختلفة بين الهدوء والدهشة والحماسة فيمنح المسرحية حياة نابضة، ويخلق تواصلًا مباشرًا مع الأطفال، ليشعروا بأنّهم جزء من عالم جلنار ورحلته.

تعليقات (0)

    إضافة تعليق