حكايا

رسومات لا تتماشى مع النص!


رسومات لا تتماشى مع النص!
هل هو خلل في طباعة الكتاب؟ هل سيؤدي ذلك لبلبلة الطفل وعدم فهمه لما يرى؟ كيف تؤثر العلاقة بين الرسومات والنص على قراءة الكتاب واستيعابه؟

منذ لقائه الأول بأدب الأطفال، وحتى سنّ الثامنة تقريبًا، يتعامل الطفل مع كتب تسمّى "كتبَ الصّور" (picture book). كتب الصور هذه هي كتب مميزة مبنيّة على العلاقة المتبادلة والمركّبة بين النصّ والصورة (الرسمة). وبواسطة كتب الصور هذه، ينكشف الطفل منذ نعومة أظفاره على طريقتيّ التعلم الرئيستيْن المعروفتيْن للبشر: اللغة والصورة.
تختلف مميزات طريقتي التعلم الواحدة عن الأخرى بشكل كبير؛ فالأولى (اللغة) تكون متعلقة بالزمن ومروره وتعطي تفاصيلها ومعلوماتها بالترتيب، الواحدة تلو الأخرى. وسواء أكان في اللغة المحكيّة أم في اللغة المقروءة، لا يفهم الفرد النصّ إلّا عندما يقرؤه أو يسمعه بتتالٍ زمنيّ. أمّا الصورة فهي تُعطى مرة واحدة، بشكل كامل، فيتقبّلها المشاهد ويختار هو منها من أين يبدأ أو كيف يتمعّنها.
الدمج بين طريقتيّ التعلم هو دمج وارد في الكثير من مظاهر الثقافة في العالم؛ فهو يظهر مثلاً بشكل مباشر في عالم المسرح وعالم السينما أو تصوير الفيديو. مظاهر الثقافة هذه هي جزء من حياة الإنسان في العالم ولها أهميّة كبيرة على تفاعله وتعامله مع البيئة المحيطة به. لذلك، عليه تعلّم التعامل معها منذ صغره، لأنّها ستكون طريقته المركزيّة باستيعاب وبحث بيئته وعالمه.
ما يختلف في كتب الصور عن مظاهر الثقافة السابقة، هو أنّ الصور ثابتة وغير متحركة، ما يعطي الطفل فرصة لـ "قراءتها" والتمعّن بها كما يختار هو. خياره في طريقة التمعّن، يمنح الطفل إمكانية توطيد العلاقات بين حواسّه وعقله؛ فهو يطوّر من خلال التمعّن القدرة على الربط بين ما يرى وما يسمع، ويدمجها معًا ليفهم الصورة الكاملة.

إذا كانت الصور مطابقة للنص، فهي لا توسّعه ولا تضيف عليه، بل تبقى مجرد تمثيل سطحيّ للنصّ وفي أغلب الأحيان تمثيل ممل له

رسم ثوريّ!

في أغلب الأحيان، تكون الصور (أو الرسومات) في كتب الصور مجرّدَ تمثيل لما تمّ وصفه في النص. في هذه الحالة يكون الكتاب في أغلب الأحيان تربويًّا وذا أهداف تربويّة واضحة ومباشرة. الهدف المركزيّ منها هو إكساب الطفل مصطلحاتٍ وكلماتٍ جديدةً يكون لها تمثيل في الصور المرفقة. أي أنّ الصّور تعرض ما ظهر في النصّ. ولكن إذا كانت الصور مطابقة للنصّ، فهي لا توسّعه ولا تضيف عليه، ولذلك تظلّ تمثيلًا سطحيًّا للنصّ، وهو في أغلب الأحيان تمثيل مملّ، أيضًا.
لهذا السبب تطوّر توجّه جديد في رسم أدب الأطفال، وهو رسم ثوريّ يتحدّى سلطة وقدسيّة النصّ؛ هو رسم يعارض النصّ في الكثير من الأحيان ويشكّك بمصداقيّته. أحد أبرز الأمثلة على رسم كهذا، هو نصوص أديب الأطفال الفرنسي جيل باشلي. في نصوص باشلي، نجد الرسم يناقض بشكل نهائي النص ويحكي قصة مختلفة تماماً عن ما يحكي النصّ. فمثلاً في قصة "قطتي هي الأسخف في العالم" (Mon chat le plus bête du monde)، يحكي باشلي قصة قطته المشاكسة وقصص مشاغباتها ومغامراتها. إلا أنّنا لا نرى في الرسم قطة بتاتاً، بل نرى فيلاً يحاول أن يلعب دور القطة ويجلس في مكانها. في نهاية المطاف نفهم أنّ الراوي يُربّي فيلاً وليس قطة.

إذا كانت الصور مطابقة للنص، فهي لا توسّعه ولا تضيف عليه، بل تبقى مجرد تمثيل سطحيّ للنصّ وفي أغلب الأحيان تمثيل ممل له

مثال آخر على ذلك، هو كتاب "حساء الجزر" (Carrot Soup) لجون سيجال، الذي يعتبر أبسطَ في ثوريته من المثال السابق. في "حساء الجزر" يتعرف الطفل على الأرنب المزارع، الذي يكتشف أنّ أحدًا ما يسرق الجزر من حقله. يذهب الأرنب إلى حيوانات المزرعة الواحد تلو الآخر، ليسألهم إذا كانوا قد رأوا من سرق جزراته. كلّ الحيوانات، بحسب النصّ، تنكر أيّ علم بهوية السارق، إلا أنّ الطفل يرى أنّ السارق هو جميع حيوانات المزرعة، التي تسير في خلفية الكتاب وتدفع عربة مليئة بالجزر إلى مكانٍ ما. هذه المعلومة، لا يعرفها الأرنب، ولا النصّ، أي ذلك الشخص الذي يقرأ للطفل القصة، بل هي معلومة يكتشفها الطفل وحده، من غير أيّ وساطة. في الصفحة الأخيرة، من غير كلمات، وفقط في الصور، يكتشف الطفل أنّ الحيوانات لم تكن تسرق من الأرنب وتهرب منه لكي تؤذيه، بل لتحضّر له مفاجأة حفلة عيد ميلاد.

ينكشف الطفل منذ الصغر على طريقتي التعلم الرئيسيتن المعروفتين للبشر: اللغة والصورة

في الكتابين كما نرى، كان للرسم دور يختلف تمامًا عن الدور التقليديّ وهو الرسم الوصفيّ للنصّ. ويأتي هذا بسبب زيادة الوعي عند الرسامين ودور النشر بأنّ الطفل لم يعد يقبل دور الخامل الذي يُنصت للقصّة فقط، ويرى رسمًا للكلمات التي يسمعها، بل أصبح الطفل يرغب بأخذ دور ناشط في قراءة القصة، وصار يريد أن يعرف شيئاً معيناً وحده من غير وساطة من يقرأ له القصّة.

أصبح الطفل راغبًا بأخذ دور ناشط في قراءة القصة، وصار يريد أن يعرف شيئاً معيناً وحده، من غير وساطة من يقرأ له القصّة

تعليقات (0)

    إضافة تعليق