خلال القرن التاسع عشر، احتلّتِ العلوم والتكنولوجيا مكانة عظيمة في الثقافة الأوروبيّة، الأمر الذي انعكس في نشر أدب العلوم الشعبيّ، بما في ذلك الخيال العلميّ. معظم هذه النصوص لم توجَّه بشكل مباشر للأطفال والفتيان، ولكنهم سرعان ما أصبحوا أكبر جمهور قراء لها. عبّرت هذه الأعمال الأدبيّة بشكل مباشر عن اشتراك واندماج العلوم والتكنولوجيا في ما يخصّ التعليم والمجتمع والثقافة. وكان جول ڤيرن من أبرز المؤلفين لهذا النوع الأدبيّ، إلى جانب إسحاق أزيموف وكارل ساغان.
تهدف هذه المقالة إلى دراسة شخصيّة العالِم في أدب العلوم الشعبيّ، والتي تتمثل في شخصيّة العالِم كابتن نيمو، في كتاب للمؤلّف جول ڤيرن "عشرون ألف فرسخ تحت الماء" (بالفرنسية: Vingt mille lieues sous les mers). سأسلّط الضوء في هذه المقالة على ميزات شخصية كابتن نيمو كعالِم، وأتابع مساهمة هذه الميزات في توضيح تصوّر المؤلف للعلوم والتكنولوجيا.
في الوقت الذي بدأت فيه العلوم والتكنولوجيا بالانتشار في القرنيْن الثامن والتاسع عشر، اعتُمد الخطاب العلمي بشكل أساسي لدى أهل الاختصاص. وظهرت ضرورة كبيرة في جعل العلوم والتكنولوجيا مسألةً متاحة للجمهور. لذلك، كانت حاجة لخطاب أكثر شعبيّة من أجل تحويل لغة العلم الرسميّة وغير المُعلنة إلى لغة منطوقة وذات صلة.
العلوم الشعبية (Popular science) هي نوع من كتابة العلوم. بدأت في نشر جذورها بحكم ازدهار الاكتشافات العلميّة التي تحوّلت إلى تكنولوجيا في أوائل القرن التاسع عشر. في تلك الفترة الزمنيّة، بدأ العلم بالتحوّل إلى مجال اهتمام للجمهور العام. شملت العلوم الشعبيّة السيَر الذاتية للعلماء والمجلات العلمية والأنواع الأدبية الأخرى التي تستند إلى العلم.
لقد رأت العلوم الشعبية إمكانية استخدام العلم كقوة حضاريّة، والتي يمكن من خلالها تحقيق التغيير السياسيّ والاجتماعيّ. أصبح العلم مسألة وطنيّة؛ وكلما زادت الأمة من نشاطاتها وإنجازاتها العلمية، زادت القيمة الثقافية التي اكتسبتها.
علاوة على ذلك، قدّمت العلوم الشعبية العلماء على أنهم "رجال عظماء"، فقدّمتهم كأشخاص طيّبي القلب ومتواضعين واجتماعيين وأذكياء. وتم إظهارهم كقادة كبار، يستحقون شغل أدوار مهمة جدًا في الحكومة، وأن يكونوا جزءًا من النظام العام.
تم التعبير عن الاهتمام بشأن مكانة العلوم في المناهج الدراسيّة، وما يتبعه من مؤسّسات متعلقة بمجال الأطفال، والتي كان العلم فيها هو الموضوع الرئيس. تهدف هذه المؤسّسات (كالمناهج والمجلات) إلى تثقيف الأطفال في العديد من المجالات العلميّة، ورغم أنّ المقالات الموجودة فيها كانت ذات طابع تعليميّ، إلا أنها كانت وسيلة للترفيه للأطفال والشباب، في كلّ ما يتعلّق بالتجارب العلميّة.
أحد فروع أدب العلوم الشعبيّة هو الخيال العلميّ. إنه نثر أدبيّ خياليّ يستكشف إمكانية حدوث تحوّل مستحيل أو متخيّل في الظروف الأساسيّة للوجود الإنسانيّ. قد يحدث هذا التحوّل بوساطة اختراع تكنولوجيّ، ولكنه قد يتضمّن أيضًا بعض التحوّلات في الواقع البيولوجيّ أو الفيزيائيّ. أحد أشهر مؤلّفي أدب الخيال العلميّ هو "جول ڤيرن".
كان الغرض من سلسلة جول ڤيرن تعريض الشباب للمعرفة العلمية. ومن خلال الجمع بين الوسائل الخياليّة والعلميّة، تمكّن ڤيرن من فتح مجالات علميّة جديدة ورحلات بحثية تهدف إلى اكتشاف بعض الحقائق المتعلقة بالأرض والقمر. استندت كتبه إلى معرفة ودراسة علميّة مختصّة ومهنيّة، للعلوم والتكنولوجيا والخيال العلميّ. من خلال تعريض القرّاء لشخصيّات مختلفة ومغامراتها، تمكّن ڤيرن من إلهام الأجيال القادمة للاستكشاف والتساؤل عمّا إذا كانت المعلومات التي قدّمها المؤلّف واقعيّة وحقيقيّة، أم ما زالت خيالية.
تُرجم العديد من كتب "ڤيرن" إلى اللغة العربية، على افتراض أنّ الأدب الغربيّ المترجَم إلى العربيّة كان ذا قيمة ثقافيّة أيضًا. إنّ وجود أدب يتضمّن مغامراتٍ وخيالًا علميًّا قد يشكّل قيمًا أخلاقية يمكنها تعليم الأطفال والشباب. لم تساعد هذه الكتب الأطفال والشباب في اللغة فحسب، بل ساعدتهم أيضًا علميًا على زرع حبّ الطبيعة في قلوب قرائهم.
تدور أحداث معظم كتب جول ڤيرن حول شخص واحد يأتي بتكنولوجيا جديدة، أو يكون له نشاط علميّ يدور حول معظم الأحداث في الرواية: شخصية العالِم. يتم تقديم هؤلاء العلماء بطريقتين مختلفتين؛ فبعضهم أبطال، وبعضهم من الأشرار، أو ما يُسمّى بالعلماء المجانين، أولئك الذين يستعملون العلم كأداة هدّامة.
هناك عدة وسائل لقراءة شخصيّة الشرير في العلوم، أحدها التفكير في افتراض أنّ العالِم الشرير هو نتاج لتناقض توجّهات المؤلف للعلوم؛ وهي عندما يستغل العالم الشرير أو المجنون معرفته بالعلم لاتخاذ إجراءات؛ بعضها خيّرة، وبعضها شريرة، ما يدلّنا على توجّه المؤلف لمفهوم العلوم كنعمة ونقمة في الوقت ذاته.
في عام 1870 نشر جول ڤيرن أحد أبرز كتبه بعد "حول العالم في ثمانين يومًا"، وهو كتاب "عشرون ألف فرسخ تحت الماء". تدور أحداثه حول قصة عالِم شرير يُدعى كابتن نيمو، يستخدم الجزء الأماميّ من غوّاصته لتدمير السفن الحكوميّة. توكّل الحكومة الباحث بيار أروناكس، الأستاذ الجامعيّ، مهمّة اكتشاف سرّ تدمير السفن. ينضمّ إليه خادمه كونسي وصياد الحيتان نِد لاند، لكن ينتهي بهم المطاف كسجناء في غوّاصة كابتن نيمو.
تبدو شخصيّة كابتن نيمو مُعقّدة للغاية، ومحاولة حصرها في نوع واحد من الشخصيّات الأدبية قد تكون مهمة مستحيلة. فيُصوّر جول ڤيرن شخصية نيمو كعالِم عندما يعطيه سمات العلماء البارزة، مثل إنه لا يفشل أبدًا في الميزان أو في المعايير، ولديه أهدافه الخاصّة التي توجِّه أفعاله طوال الوقت. يستمر نيمو في تذكير نفسه بمعتقداته وأسبابه، ويرفض أيّ تعليمات خارجيّة بديلة. بالإضافة إلى ذلك، كونه يبدو واعيًا لجميع أفعاله ويعرف بالضبط إسقاطات كلّ نشاط، والأهم من ذلك أنه مستقل بشكل مطلق.
على الرغم من أنه كرّس نفسه للعالم الذي خلقه تحت سطح البحر، وللنظرة الأخلاقيّة الجامدة التي وضعها لنفسه، فإنه ما يزال يشفق على البروفيسور أروناكس ورفاقه. وعلى الرغم من كونه قد سجنهم في غوّاصته، إلا أنه لم يتعامل معهم كسجناء أبدًا. بالتفكير في هذه الحقيقة، يمكننا أن نتذكّر أنّ شخصيّة نيمو ولدت خلال العصر الفيكتوريّ، والتي قد تفسّر السبب وراء عقلية نيمو الفيكتوريّة؛ فوجهات نظره الأخلاقية قريبة جدًّا من آراء الفيكتوريّين.
يعتبر الكابتن نيمو عالمًا شرّيرًا بسبب القوى العلميّة التي يُسيء توظيفها. فهو يستخدم الجزء الأماميّ من غوّاصته (نوتيلوس) من أجل تدمير السفن الأخرى التي تبحر في البحر. في البداية ادّعى نيمو أنه يفعل ذلك لأنّ تلك السفن تهاجم غواصته، وهذه هي الطريقة الوحيدة المتاحة للدفاع عن نفسه. ومع ذلك، فإنه في وقت لاحق يظهر سخطه على كلّ سفينة عابرة، حتى لو كان ركّابها مجرد مدنيّين.
قد نسأل أنفسنا ما إذا كان هذا الاختراع العلميّ إلزاميًّا أو مرغوبًا به. بمعنى آخر، ربما يكون جول ڤيرن قد اختار ألّا يخبرنا ما إذا كان نيمو قد بنى نوتيلوس بشكل أساسيّ للانتقام، أو إذا كان الانتقام نتيجة رئيسة بعد أن رأى إمكانيات أخرى منه، بدلاً من كونه مجرد قذيفة حماية من العالم الخارجي. هذه هي نقطة واحدة متناقضة يعبر عنها ڤيرن في هذه القصّة. وجود اختراع علميّ هو سيف ذو حدّيْن: إنه يظهر كمأوى وطبيعة ثقافيّة مختلفة ومؤشّرًا على عبقريّة العقل البشريّ، لكنه كذلك آلة قتل وسلاح فتّاك.
قد يعكس نيمو وجهة نظر جول ڤيرن الشخصيّة تجاه أهمية العلم والتقدم التكنولوجيّ. بصفته مؤلف كتاب خيال علميّ، يبدو ڤيرن مدركًا تمامًا لما يمكن للعلم والتكنولوجيا الوصول إليه. وهكذا يبدو أنه يدرك مسؤوليته في إظهار هذه النتيجة القصوى المحتملة للمعرفة العلميّة لقُرّائه. إذا اخترنا وصف الطريقة الممكنة لتفكير ڤيرن بكلمات الباحث سايمون لوك (2005)، فقد نسميها تأليفًا مزدوجًا تجاه العلم.
كما جلب العلم عناصره الثقافية الجديدة؛ فبدءًا باللغة العلمية وانتهاءً بالمناقشة الكاملة حول دور العلم في حياة البشر، أثبت لنا الكابتن نيمو أنّ العالِم -بطريقة أو بأخرى- ينشر ثقافة جديدة في كلّ مرة يخترع فيها اختراعًا جديدًا. حتى من الناحية المجازيّة، أنشأ نيمو تقاليدَ وعناصرَ ثقافيّة جديدة بالكامل في وجوده تحت سطح البحر، لتحلّ محلّ ثقافة الأرض. فقام بإحضار الطعام البحريّ وجني كُلّ احتياجاته من البحر. علاوة على ذلك، توصّل إلى طقوس جديدة يتبعها هو ورفاقه على نوتيلوس؛ لدرجة أنّ نيمو خلق "عالمًا وسط الشعب المرجانية".
بطريقة أو بأخرى، يمنح المؤلف شخصية كابتن نيمو العديد من الميّزات المثاليّة التي كانت مهيمنة في جميع أنحاء الكتاب، فنسب له الشجاعة والحتميّة والثقة والقيادة. وقد رافقت مثل هذه الصفات أكثر علماء التاريخ شعبيّة، وما فعله جول ڤيرن هو توظيفها لبلورة شخصية عالِمه - كابتن نيمو.
تعليقات (0)
إضافة تعليق