مِن قَرْيَةِ جَتِّ المُثَلَّثِ. زَوْجَةٌ وَأُمٌّ لِثلاثة أطفال، كَيان وَمَرْيَم ويامن. حاصلة على لقبين في الُّلغَةَ الإِنْجْليزِيَّةَ
وَآدابَها في جامعتي القدس العبرية وبار ايلان.
تكتب وتترجم للأطفال.."وجه أختي" هو كتابها الأول للأطفال، "لن أرتب الألعاب" هو كتابها الثاني، كلاهما
إصدار دفيئة حكايا. قصة أخرى جديدة سترى النور ضمن مشروع مكتبة الفانوس السنة القادمة. ورواية "الرقم
واحد" للفتيان هي رواية قيد الكتابة، شاركت بفصلها الاول بعنوان "غمزات" في كتيب "قصص لفك النحس"
ضمن ورشة حبكة- جمعية الثقافة العربية
1. ما الذي دفعكِ إلى الكتابة للأطفال تحديدًا؟ هل كان لديكِ دافع شخصي أو رؤية معينة
حول أهمية قصص الأطفال في تشكيل وعيهم؟ وهل كنتِ تحلمين منذ طفولتكِ بأن
تصبحي كاتبة، أم أن الشغف بالكتابة جاء لاحقًا من خلال تجربة الأمومة أو التعليم؟
منذ نعومة أظفاري وأنا أكتب. أكتب كلّ ما يجول في خاطري، وأخبئ كتاباتي في
الدُرج. ولطالما قلت لنفسي إنّ هذه القصص سترى النور يومًا ما. يومًا ما سأتحسّس
اسمي مرسومًا بروعة على أغلفة الكتب. وهذا ما كان.
أما رحلتي مع الكتابة للأطفال على وجه التحديد، فقد بدأت بدافع شخصي بحت، ومن
مراقبتي لأطفالي، لكنها تحوّلت تدريجيًا إلى نافذة تطلّ على عالم أوسع. فمع مرور
الوقت، وجدتُ أنّ القصص التي أخطّها تحمل معاني وقيمًا تستحق أن تُشارك مع جميع
الأطفال.
2. عندما بدأتِ بكتابة "لن أرتب الألعاب" و"وجه أختي"، هل كنتِ ترغبين في معالجة
قضية محددة تعيشها الأسر، أم أن الفكرة نشأت تلقائيًا من مراقبتكِ للأطفال من حولكِ؟
إلى أي مدى كان لخبراتكِ الشخصية دور في تشكيل أحداث القصة؟
القصص التي أكتبها، حتى الآن، تنبض بتفاصيل من حياتي اليومية، إذ أستلهم أحداثها
من تجارب ومواقف أعيشها مع أطفالي. لقد أضافت خبرتي كأمّ بُعدًا واقعيًا وعاطفيًا إلى
هذه القصص، فهي تساعدني على تصوّر الأحداث وتصعيد توتّرها.
ومع ذلك، فإنّ هذه التجارب وحدها لا تكفي، إذ تتطلب الكتابة للأطفال ذكاءً، وخيالًا،
وعمقًا عاطفيًا قويًا.
3. شخصية "صنوبر" في "لن أرتب الألعاب": كيف طوّرتِ هذه الشخصية؟ هل
استوحيتها من طفل حقيقي تعرفينه؟ وكيف حرصتِ على أن تكون صنوبر قريبة من
الأطفال بحيث يشعرون أنهم يشبهونها أو يفهمون مشاعرها؟
شخصيّة صنوبر مستوحاة من طفلتي، التي تعيش فوضى الطفولة بكلّ تفاصيلها. طفلة
شقيّة، مفعمة بالحيويّة، وتهوى إثارة الضحكات بطرائفها التي لا تنتهي. هذه الشخصيّة
تعكس روح الأطفال التي لا تتوقّف عن استكشاف العالم بطريقتها الخاصّة، بفوضويّتها
الساحرة.
مشاعر الإحباط لدى صنوبر، و"عيبها" الفوضوي، جعلاها قريبة من قلوب القرّاء
الأطفال.
4. اختيار مواضيع القصص التي تتناول تجارب الأطفال اليومية قد يبدو بسيطًا لكنه في
الواقع معقد، لأن عليكِ أن توازني بين الواقعية والجانب القصصي الجذاب. هل واجهتِ
صعوبة في اختيار هذه الموضوعات؟ وما المعايير التي تعتمدينها عند تحديد الأفكار
التي تصلح لتكون قصصًا للأطفال؟
الكتابة للأطفال ليست بالأمر السهل كما يتخيّله الكثيرون ممّن لا يكتبون. فالكلمات يجب
أن تكون منتقاة بعناية، وملائمة للفئة العمرية، كما يجب أن يكون الطرح ذكيًا وسليمًا من
حيث المضمون.
أؤمن بإمكانية الكتابة عن أي موضوع، مهما كان قاسيًا أو حساسًا، لكن هنالك مواضيع
تتطلّب تحدّيًا وحرصًا شديدًا. فمثلًا، الكتابة عن الطلاق أو الموت ليست بالأمر السهل،
لما تحمله هذه المواضيع من مضامين نفسيّة دقيقة. ولهذا، أحرص دائمًا على التعلّم
والتعمّق في كيفية تقديم هذه المواضيع للأطفال.
5. في رأيكِ، هل القصص التي تعكس الواقع اليومي للطفل تجعله أكثر تقبلا لها، أم أن
الطفل يحتاج أحيانًا إلى عالم خيالي يهرب إليه ليفهم مشاعره بشكل غير مباشر؟ كيف
حاولتِ الموازنة بين العالم الواقعي والخيال في كلا القصتين؟
إننا نحتاج إلى الخيال، كبارًا كنّا أم صغارًا. فالخيال هو فرصة للهروب من الواقع لبعض
الوقت، والرجوع محمّلين برسائل وقيم تساعدنا على النموّ العاطفي والاجتماعي.
برأيي، يُعدّ الخيال عنصرًا أساسيًا في قصص الأطفال، فهو بمثابة بوّابة إلى عالم مليء
بالمغامرة والتعلّم بطرق ممتعة وغير تقليدية.
فمثلًا، المواقف الغريبة التي تحدث في قصّتَيّ "وجه أختي" و"لن أرتّب الألعاب" تتيح
التعامل مع مواقف حياتيّة واقعيّة بطريقة مرنة ومبتكرة، كما تغذّي البُعد العاطفي لدى
الطفل.
فعندما تُخبّئ صنوبر، البطلة، بيضةً تحت الوسادة ثمّ تقفز على السرير، يعيش الطفل
القارئ تجربة الفوضى بكلّ احتمالاتها. لا حاجة لأن أقول له: "ستنكسِر البيضة إذا فعلتَ
كذا"، أو "ممنوع أن نضع بيضة تحت الوسادة".
مثال آخر هو الغضب الذي عاشته مريم في قصّة "وجه أختي"، حين تحوّل وجهها إلى
بالون منتفخ — هذا المشهد كفيل بإيصال مشاعر الغضب ومعانيه بعمق ووضوح.
6. عنصر الفكاهة حاضر بقوة في "لن أرتب الألعاب" كيف تعاملتِ مع هذا العنصر أثناء
الكتابة؟ هل ترين أن الفكاهة وسيلة أقوى من التوجيه المباشر لغرس القيم عند الأطفال؟
وكيف يمكن للكاتب أن يضمن أن الفكاهة ستصل للطفل بالطريقة الصحيحة دون أن
تطغى على الرسالة الأساسية للقصة؟
يلعب عنصر الفكاهة دورًا مهمًا في جذب انتباه الطفل وتعزيز استمتاعه بالقصة.
فالفكاهة تجعل الأحداث والشخصيات أكثر متعة وأسهل في التذكّر، مما يُعزّز تجربة
التعلّم بطريقة مرحة.
في قصة "لن أرتّب الألعاب!" حرصتُ على أن تكون الشخصيّة طريفة وغريبة
التصرّف. وكان للرسّامة أيضًا دورٌ بارز في تعزيز هذا الجانب، إذ رسمت الشخصيّة
بطريقة غريبة، مثل ارتدائها جوارب مختلفة الألوان.
ومن جهة أخرى، حرصتُ على المبالغة في تصرّفات الأم، لما في ذلك من طابع مرح
ومسَلٍّ، كأن تقوم الأم بترتيب خزانة الملابس حسب الألوان
7. القصص المصورة تعتمد بشكل كبير على التفاعل بين النص والرسوم. كيف كانت
تجربتكِ في التعاون مع الرسامتين عدن ضاهر في "وجه أختي" وڤيتا تنئيل في "لن
أرتب الألعاب"؟ هل كانت لديكِ رؤية محددة لشكل الشخصيات والمشاهد، أم تركتِ
المجال مفتوحًا للرسامة لتضيف لمستها الفنية؟
كانت لي تجربتان مختلفتان في الرسم مع فنانتين مبدعتين. في التجربة الأولى، رغبت
الرسامة في أن تكون رؤيتها الخاصّة حاضرة وبقوّة، وهي رؤية كانت مختلفة عن
رؤيتي وتَصوّري. ورغم جودة العمل، إلا أنني شعرت بأنني مشاركة بعيدة عن العمليّة
الإبداعيّة.
في التجربة الثانية، كان هناك تعاون أكبر، إذ شاركتُ في تفاصيل الرسومات بشكل
أعمق. كانت تجربة أسهل وأكثر متعة، ونتج عنها رسومات مُرضية جدًّا ومتوافقة تمامًا
مع رؤيتي للقصة – بل إنّ الرسامة أضافت بُعدًا فكاهيًّا ساحرًا.
هذه التجربة أثبتت لي أن التواصل والتعاون – ولا أعني التدخّل – مهمّان جدًّا لتحقيق
نتائج إبداعيّة مميّزة.
8. ككاتبة عربية في مجال أدب الأطفال، ما التحديات التي تواجهينها سواء في عملية الكتابة
أو النشر أو إيصال الكتب إلى الجمهور؟ هل تشعرين أن أدب الأطفال في العالم العربي
يحصل على الاهتمام الذي يستحقه؟
تُواجهني تحدّيات كثيرة ككاتبة في مجال أدب الأطفال. ولعلّ أبرز هذه التحدّيات هو
الكتابة للأطفال بحدّ ذاتها، إذ تتطلّب مزيجًا فريدًا من الإبداع والبساطة، إلى جانب القدرة
على مخاطبة قلوب الأطفال وعقولهم بطريقة ذكيّة. فالكتابة للأطفال مسؤولية كبيرة.
ومن التحدّيات الأخرى وجود جمهور قرّاء صغير، إلى جانب عدم قدرة الكثيرين على
التمييز بين الكتاب الجيّد وغيره.
أما فيما يتعلّق بالنشر والتحرير، فالتحدّيات لا تقلّ صعوبة. برأيي، لا تزال هناك مساحة
ضيّقة متاحة أمام الأقلام الشابّة الحالمة، من قِبَل دور النشر الأصيلة، والمحرّرين
المهنيين، والكتّاب المحليين.
أشعر بأن أدب الأطفال في العالم العربي يشهد ثورة غير مسبوقة، إذ تزداد يومًا بعد يوم
أعداد دور النشر الأصيلة التي تعنى بالكتب القيّمة.
ومع ذلك، وبالمقارنة مع أهمية أدب الأطفال وضرورة الاستثمار في الطفل، لا يزال
هناك جهد كبير يستحق أن يُبذل لتطوير هذا المجال.
9. من هم الكتّاب الذين تأثرتِ بهم في مجال أدب الأطفال، سواء محليًا أو عالميًا؟ وهل
هناك كتب معينة ألهمتكِ أو أثرت في أسلوبكِ الكتابي؟
حبّ قصص الكاتبتين نبيهة محيدلي ونسيبة العزيبي. كلتاهما تكتبان ببساطة وعمق
وحساسية كبيرة، ودائمًا ما يتضمّن نصّهما عنصرًا مفاجئًا يشدّ القارئ.
من القصص التي أحبّها بشدّة: "البطل الخارق"، "كائنات سقف الغرفة"، و"أبو
كركوبة".
10. أخيرًا، ما النصيحة الأهم التي تقدمينها للكتّاب الجدد الذين يرغبون في دخول مجال أدب
الأطفال؟ ما أهم المهارات التي يجب أن يطورها الكاتب ليكتب قصة ناجحة للأطفال؟
نصيحتي هي عدم التردّد في الإقدام على الخطوة الأولى. فإذا كان الكاتب يحتفظ بنصوص لم ترَ
النور بعد، فعليه أن يتّخذ الخطوة المناسبة — سواءً بتعلّم أساسيات ومهارات الكتابة لصقل
موهبته، أو بمشاركة نصوصه مع أشخاص مهنيين.
وطبعًا، تبقى القراءة المستمرة والتعلّم دون توقّف من أهمّ مفاتيح التطوّر لكل كاتب.
تعليقات (0)
إضافة تعليق