
اخترنا لك
الفن والوحدة والكوميديا الحزينة للألوان
اخترنا لك: كتب
تْساحي فَرْبِر رسّام وفنان كوميك وكاتب، يُدرّس في أكاديمية "بتسلئيل" للفنون. حاز على جائزة وزير الثقافة في مجال الإبداع الأدبي العبري، وعلى جائزة الإبداع للكتّاب العبريين على اسم ليفي أشكول. وصلت روايته الأولى "أحجار" إلى القائمة القصيرة لجائزة سابير المرموقة للأدب.
من هم المبدعون الذين أثّروا فيك؟
قبل سنوات عديدة، شاهدتُ فيلم "فلوخ" من إخراج دان وولمان، وقد كُتب السيناريو بالتعاون مع حانوخ ليفين. الفيلم قاتم وكئيب، ويؤدي فيه أبراهام حلفي -الممثل والشاعر -الدور الرئيسي. الحبكة بسيطة للغاية: فلوخ رجل في السبعين من عمره، متزوّج من امرأة قبيحة تُدعى غيردا، وهو جدّ لطفل رضيع. يبدو أن هذا الطفل هو كلّ عالمه، ولذلك، عندما يُقتل في حادث سير مع والديه -ابن فلوخ وزوجته -يقرّر فلوخ الطلاق من زوجته العجوز، ويشرع في البحث عن امرأة شابة تنجب له طفلًا، علّه يحظى لاحقًا بحفيد جديد.
أذهلتني القوّة الغروتسكيّة الكامنة في ملامح وجه أبراهام حلفي المعبّرة؛ بدا لي وكأنّ كلّ أحزان العالم مختبئة فيها. بدأت أبحث عنه وأقرأ عنه؛ آلمني شعوره بالوحدة، ووقوعه في حبّ نساء أصدقائه. قرأت قصائده الرائعة، ومنها قصيدة "الببغاء يوسي"، التي كتبها وهو في التاسعة والعشرين من عمره، في غرفته المستأجرة في تل أبيب، حين أدرك المصير الكئيب الذي ينتظره:
"أعزب، بلا ذات ظلٍ، ولا من تَلِدْ.
على ببغاء مثلك، يمنع الحبّ.
يوسي، يوسي، أنت لن تُحبّ أبدًا.
أمثالُكَ جُبلوا على الثرثرة
يؤنسون الشعراءَ في فورةِ الثورةِ والغضب،
بينَ قلوبٍ بليدة، آثمة.
أمثالكَ في الدارِ محضُ دُمى،
يلهو بها الأطفال.
ثرثر يا يوسي،
وآنسني كحبة زيتون.
قلبي اليوم خواء."

تذكّرتُ كيف روى أحد روّاد مقهى "كسيت" ذات مرة عن أبراهام حلفي، أنه خرج من المقهى عند المساء، هزيلًا، قصير القامة، مرتديًا معطفًا طويلًا. فإذا بعصفور، من قمة شجرة في الشارع، يُلقي بفضلاته على صلعته اللامعة. قال الراوي إن حلفي اكتفى بمسح رأسه، ثم رفع بصره إلى الأعلى، وابتسم بأسى، وقال: " أما زينة الطيور، فللأغنياء..." -فَرَقّ قلبي له.
كنتُ في التاسعة والعشرين من عمري آنذاك. جلستُ مساءً في غرفتي المستأجرة بحي نحلاؤوت في القدس، منهمكًا في إعداد مشروع تخرجي من أكاديمية بتسلئيل. كانت الرسومات وجوهًا كاريكاتورية لسياسيين. رسمتُ شلوميت ألوني، وفكرتُ في أبراهام حلفي. لم يكن حلفي على قيد الحياة آنذاك، فقد توفي منذ سنوات طويلة، لكنني شعرت وكأنه يبتسم لي ويخاطبني عبر الزمن، كما يفعل كل فنان مع تلميذه الأصغر، أو مع صديقه.
في يوم عرض المشروع، لم تُعجب الرسوم كثيرًا من أساتذتي في بتسلئيل، وتساءل بعضهم بصوت عالٍ إن كنتُ "بارعًا أم مجرد متصنّع" -ولم تكن نبرتهم تحمل مديحًا. ومع ذلك، أجازوا لي المشروع. في الحقيقة، كانوا غالبًا ما "يجيزونني رغم كل شيء". (لاحقًا، اشترت القناة الثانية المشروع بأكمله من أجل الموسم الأول من البرنامج التلفزيوني الساخر "هَحرْتْسوفيم"، لكن تلك قصة أخرى).
*
لم تُكثر من رسم كتب قصصية بنصوص كتبها آخرون. هل هناك سبب لذلك؟
بالتأكيد. قبل نحو سبعة عشر عامًا، عرضت عليّ كاتبة أطفال شهيرة جدًا أن أُرسِم كتابها. أرسلتُ لها رسمة واحدة كنموذج، لكنها لم تُعجبها.
كانت القصة التي كتبتها تدور حول جدة تُدعى مينا، لديها ثلاثة عشر حفيدًا، وطفل آخر في الطريق. تسافر الجدة مينا لزيارتهم، وأثناء الطريق تتوقف في بقالة صغيرة لتشتري لهم بعض الأشياء اللذيذة، وفي الوقت نفسه ترغب في أن تُري صاحب البقالة صور أحفادها.
لكن صاحب البقالة لا يبدي اهتمامًا برؤية الصور، غير أن الجدة لا تتراجع، وتبدأ بملاحقته في دوائر.
إلى هنا، كان ما وصفته هو محتوى الرسمة التي أعددتها. أرسلتها بالبريد الإلكتروني إلى الكاتبة، ولم يمضِ وقت طويل حتى اتصلت بي هاتفيًا وقالت:
"تساحي، هذه الرسمة التي أرسلتها لي كنموذج، قبيحة جدًا!"
فسألتها: "لماذا قبيحة؟"
فأجابت: "لأن الجدة قبيحة. إنها سمينة جدًا."
فقلت لها: "وكيف تودّين أن أرسمها؟"
قالت: "ارسمها نحيفة، وكأنها كانت في يوم من الأيام عارضة أزياء."
فقلت: "لكنني أعرف الجدّات. كان لديّ اثنتان منهن... ولسن جميعًا نحيفات مثل العارضات."
فقالت: "حسنًا، لكن هذا القط الذي رسمته هناك في الأسفل، هو أيضًا قبيح."
فسألتها: "لماذا قبيح؟ إنه قط برتقالي لطيف، مستدير مثل كرة، ورسمت له وجهًا يشبه وجه شيخ صيني... ألا ترين كم هو ظريف؟"
لكنها أجابت: "لا، إنه سمين جدًا."

سألتها: "حسنًا، فكيف تريدين أن أرسمه؟" (وكدت أضيف: "كأنه كان هو أيضًا عارضة أزياء؟")
فأجابت: "ارسمه، من فضلك، نحيفًا، بعينين كبيرتين، مثل شخصيات والت ديزني."
فقلت لها: "اسمعي، أنتِ طلبتِ مني أن أرسم بقالة في بنيامينا، صحيح؟ في تلك البقالة، يوجد في الزاوية برميل مليء بالسمك المملّح. هذا القط يأكل السمك المملّح ليلًا ونهارًا، فكيف تريدينه أن يكون نحيفًا وله عينان كبيرتان على طريقة ديزني؟"
تلك الكاتبة المعروفة امرأة صغيرة الحجم جسديًا، لكنها تملك عزيمة نفسية جبارة. ويبدو أنها ليست معتادة على أن يُعارضها أحد. وبما أنني واصلت الرد عليها، غضبت وسألتني بنبرة مصطنعة العذوبة من خلال سماعة الهاتف:
"قل لي، تساحي، أنت تلوّن بالألوان المائية، أليس كذلك؟"
أجبتها بحماسة: "بلى!"
فقالت: "إذن، دعني أخبرك أن رسوماتك تبدو وكأنك رسمت للجدة مرضًا جلديًا!"
هنا انتهت المكالمة. أعدتُ سماعة الهاتف إلى مكانها، وتوجّهتُ إلى الرسمة أبحث عن "مرض الجلد" الذي تحدثت عنه الكاتبة. نظرتُ إلى الجدة المرسومة، ولم أفهم شيئًا في البداية. ثم، فجأة، انفتح أمامي المعنى. كما ذكرت، كان ذلك قبل نحو عشرين عامًا، وكانت الكاتبة حينها جدة بالفعل، وهي اليوم أكبر سنًا، لكنها كانت آنذاك جدة شابة، وكانت خائفة. لم تكن تريد أن يظن الأطفال أنها هي الجدة المرسومة: جدة بأنف يشبه حبّة البطاطا ونظارات مضحكة. أرادتني أن أرسمها مثل دمية "باربي" مسنّة.
لكنني كنت حريصًا منذ البداية على ألّا أرسم دمى باربي، لأني لم أكن أرغب في أن يكون لدى الفتيات الصغيرات نموذج مشوّه لجسد المرأة.
فاتصلتُ بها من جديد وأبلغتها أنني لا أرغب في رسم الكتاب. وفي اللحظة نفسها تقريبًا، تواصلت معي دار النشر "مودان"، وطلبوا مني أن أرسم كتبًا أخرى، من دون جدّات على الإطلاق، كي لا يظن أي طفل أن الجدة المرسومة هي الكاتبة نفسها.
قلت إن هذا يناسبني تمامًا. ثم اتصلت بي الكاتبة مجددًا، وهكذا استمرّ الأمر، جولة بعد أخرى، من الملاحظات والحذف...
أنا أحبّ تلك الكاتبة كثيرًا. هي امرأة طيبة وعزيزة على قلبي. كنت أزور بيتها في "رمات إفعال"، أتذوّق كعكات الكريمة المذهلة التي كانت تخبزها، وأسمعها تقول لي: "ومن غيري سيُعدّ لك كعكات كهذه؟!"، وأصغي إليها وهي تعزف على البيانو الأبيض في الطابق الثاني أغاني الأطفال التي نشأتُ عليها.
لكن، على الرغم من الكعكات والأغاني، قررتُ ألّا أعود إلى تزيين كتب الكتّاب الآخرين برسوماتي.

لو طُلب منك أن تدرّس أو تكتب عن تاريخ الرسم التوضيحي، فماذا كانت ستكون جملك الأولى؟ وبماذا كنت ستبدأ؟
أُدرّس منذ سنوات غير قليلة تاريخ القصص المصوّرة العبرية (الكوميكس) في قسم الثقافة البصرية والمادية في أكاديمية "بتسلئيل". في الحصة الافتتاحية من المساق، أبدأ ببضع كلمات تمهيدية وأقول: قد لا يكون الأمر مفاجئًا، لكن في حين أن الكوميكس العبري وُلد في مقهى -بلقاء بين أريه نَڤون وليئة غولدبرغ في مقهى "كاسيت"، في مقره الأول بشارع بن يهودا في تل أبيب عام 1935، قبل فترة من تعاونهما لاحقًا في "دڤَار للأطفال" - فإن الكاريكاتير العبري وُلد قبل ذلك بعامين، في طابور انتظار عند محطة حافلات.
حدث ذلك في لقاء جمع بين برل كتسنلسون، محرر صحيفة "دڤَار"، والرسّام نَڤون، أثناء انتظار حافلة خطّ 2، عند محطة كانت تقع قرب سينما موغرابي، في زاوية شارعي ألنبي وبن يهودا في تل أبيب.
بمعنى: إذا كان الكوميكس وُلد في مقهى، والكاريكاتير وُلد في طابور حافلة، فالسؤال هو: أين وُلد الرسم التوضيحي؟
أخشى أنني لا أملك إجابة يقينية، لكن إن واصلنا التفكير على هذا المنوال، فثمّة بالتأكيد احتمالات شيّقة للغاية.
.
هل تعتقد أن ثمة علاقة بين النجاح والجودة؟
قال لي ذات مرة شخص يُدعى داني كرمان إنه لا يرى علاقة حقيقية بين الاثنين. والجميع، كما قال، يوافقونه الرأي -إلى أن ينجح أحد كتبهم نجاحًا باهرًا. من تلك اللحظة بالذات، يصبحون مقتنعين تمامًا بأن هناك علاقة، بل علاقة وثيقة، وأن كتابهم ليس فقط ناجحًا بل أيضًا جيد، أي عالي الجودة.
فكرت طويلًا، وخلصت إلى أنني لا أملك إجابة أذكى من هذه. في الوقت الحالي، أوافق داني تمامًا. لكن إن حدث في يوم من الأيام أن حقق أحد كتبي نجاحًا تجاريًا كبيرًا، فأنا واثق من أنني سأبدأ فورًا بالإيمان بأن هناك علاقة عميقة بين النجاح والجودة -علاقة لا يمكن فصلها.
هل هناك كتب تحبّها وتعود إلى قراءتها مرارًا وتكرارًا؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فهل تودّ أن تخبرنا ما هي، ولماذا هي قريبة إلى قلبك؟
بالتأكيد. من حين لآخر، أعود إلى كتاب لين الكبير ولين الصغير الرائع للكاتب الصيني تشانغ تيان-وي. على صفحة العنوان الداخلية كُتب: "قصة للأطفال مع العديد من الرسوم" - لكن من المؤسف أن النسخة العبرية لم تذكر اسم الرسّام.
أعود أيضًا إلى تشيبي الجميل، للكاتب اليهودي-الهنغاري بيلا سينِش (والد حانا سينِش). وهنا، على العكس تمامًا، يظهر اسم الرسّام التشيكي البارع أوندجي سكورا.
لكن الكتاب الذي أعود إليه مرارًا وتكرارًا، يرتبط في الواقع بحكاية حدثت قبل سنوات عديدة...
لأفيف، الطفل ذو النظارات من الطابق الثاني، كانت هناك مكتبة في بيته. داخل غرفته، على امتداد الجدار الشرقي المقابل لسريره، انتصب دولاب خشبي كبير يحوي رفوفًا مصطفّة عليها كتب كثيرة، مرصوصة بعناية جنبًا إلى جنب. كانت هناك كل كتب "السباعية السرية"، و"فرقة المحققين والكلب"، وسلسلة "حَسَمبا"، وكتب إريش كستنر – في الواقع، كل ما يمكن أن يحلم به طفل آنذاك – وكل شيء مصنّف ومرقّم حسب التسلسل الزمني.
وكان لديه أيضًا دفتر خطوط سميك، يسجّل فيه اسم كل كتاب يعيره، وتاريخ الإعارة، ولمن (وكان يسمح عادة بفترة تمديد تقارب الأسبوعين). وكان يرفع إصبعه بإيماءة ذات أهمية، يعدّل نظارته السميكة، ويتحدث بأسلوب أمين مكتبة بالغ، يروي طرائف وملاحظات عن عادات القرّاء المتبدّلين، كأن يقول مثلًا عن "غروس" ابن الجيران، الذي رغم أنه بات في الصفوف العليا من المدرسة الابتدائية، لا يزال يقرأ فقط الكتب ذات الأحرف الكبيرة والمشكولة، مثل كتب "توخيدِس".
لدى أفيف تعرّفت لأول مرة إلى كتاب "التيس عند الحلاق"، وهو مجموعة من القصص كتبها إريش كستنر لمجلات أطفال وصحيفة برلينر تاغبلات. كانت القصص غريبة بعض الشيء، غامضة، لكنها في الوقت ذاته مؤثرة وتلامس القلب. شعرت أنها غير بديهية، وأن جوهرها يصبح أكثر عمقًا حين لا يوجد تفسير عقلاني للأحداث.

قرأتُ الكتاب مرة واحدة، وربما مرتين، ثم أعدته إلى أفيف. ومنذ ذلك الحين، لم تقع عيناي عليه مجددًا، رغم أنني بحثت عنه مرارًا وتكرارًا على مر السنين.
من بين كل القصص في الكتاب، قصة واحدة ظلت تلاحقني – قصة طفل يُدعى "يواخيم"، أُرسل من بيته ليلة عيد الميلاد ليجلب مرطبان خردل، فخرج ولم يعد، دون سبب واضح. هذا الأمر – أي غياب سبب منطقي ومحدد للذهاب إلى المجهول، وانقطاع الرابط الأساسي بين طفل ووالديه، خاصة في ألمانيا ما بين الحربين – أزعجني حينها وأنا طفل، وما زال يزعجني حتى اليوم وأنا بالغ.
مرت السنوات، وأصبحت طالبًا في "بتسلئيل"، وما زلت أبحث عن الكتاب، هذه المرة في مكتبات الكتب المستعملة في القدس. حتى إنني تواصلت في ذلك الوقت مع أفيف، الطفل أمين المكتبة (الذي أنهى حينها دراسة الطب)، وسألته عن الكتاب ومصير يواخيم البائس، لكنه قال إنه لا يذكر كتابًا كهذا أو قصة مشابهة، واقترح أنني ربما أخلط الأمر مع مقطع من كتاب آخر لإريش كستنر – ربما الصف الطائر – إن وُجد أصلًا.
ثم، بعد سنوات من البحث، تلقيت مكالمة هاتفية من مكتبة كتب مستعملة في مركز "كلال" بالقدس، وصوت فاتر أبلغني أن الكتاب سيُحتفَظ به لإجلي هناك حتى يوم الخميس. في اليوم نفسه سارعت إلى المكتبة، وهناك كان بانتظاري مجلّد قديم بلون رماديّ مائل إلى الأخضر، لكتاب "التيس عند الحلاق"، من رسوم هورست لامكه (الذي خلف فالتر تريير، الرسام التوضيحي الأسطوري اليهودي-التشيكي الذي سبق له التعاون مع كستنر).
في الحافلة، في طريقي إلى البيت، فتحتُ الكتاب بيدين مرتجفتين، وكانت بانتظاري عدة مفاجآت:
أولًا، الطفل الذي كنت أظن أن اسمه "يواخيم"، كان في الحقيقة يُدعى "فيليكس"، وكان يحمل أيضًا اسم عائلة: "فريسر".
ثانيًا، لم يكن الحديث عن عيد الميلاد كما ظننت، بل عن عيد الحانوكا. إذ كتب يعقوب عاديني، الذي ترجم الكتاب في الستينيات، أن أفراد العائلة وضعوا هدايا العيد أمام شمعدان الحانوكا، ثم انتقلوا إلى الغرفة المجاورة وجلسوا لتناول نقانق الخنزير الخاصة بهم.
وثالثًا – وهذه المفاجأة الأهم – كان هناك سبب لعدم عودة فيليكس: لقد كان طفلًا مُعنَّفًا. فقد ركله والده، وأرسله ليلة العيد (أي ليلة الحانوكا)، قبل إغلاق المتاجر بقليل، ليجلب مرطبان خردل. لكن فيليكس، كونه فتى حالمًا، لم ينتبه للوقت، وأُغلقت المتاجر. ومع ذلك، لم يكن مستعدًا للعودة إلى البيت من دون الخردل. كما كتب كستنر". في هذا اليوم، لم يعد قادرًا على تحمّل الصفعات."
لكن فيليكس عاد في النهاية، بعد خمس سنوات، في ليلة عيد الميلاد (أو، من جديد، في ليلة الحانوكا، وفقًا للمترجم عاديني، في العام 1932). وكان والداه المسنّان، اللذان اعتادا منذ اختفائه تناول نقانق بلا خردل تخليدًا لذكراه، قد سمعا باب البيت يُفتح، وخطوات تقترب من الخلف، لكنهما خافا من الالتفات خشية ألا يكون هو.
عندها انطلق صوت مرتجف يقول: "ها هو الخردل، يا أبي."
وإذا بيد تخرج من بينهما، ووضعت على الطاولة مرطبان خردل ممتلئًا. فبكى الوالدان من شدة الفرح.
أو كما كتب كستنر: "الأم أخفت وجهها في الأرض وضمّت يديها. الأب انتصب واقفًا إلى جوار الطاولة، وعلى الرغم من الدموع في عينيه، أدار رأسه مبتسمًا، رفع ذراعه، وصفع الشاب صفعة مدوّية على خده، وقال: ’لقد تأخرتَ كثيرًا، أيها القاسي. اجلس!".

هل شعرت يومًا بالندم لأنك رسّام توضيحي ولست رسّامًا ؟
بالتأكيد، نعم. بعد أن أنهيت دراستي في قسم التصميم الغرافيكي (الذي يُعرف اليوم بـ"التواصل البصري") في بتسلئيل، وبدأت أرسم للصحف والكتب وأدرّس أيضًا، سجّلت نفسي في دروس رسم لدى إسرائيل هيرشبرغ، في "الورشة للرسم والتخطيط" في القدس.
كنا نرسم هناك رسومات تشخيصية لساعات طويلة، في معظم أيام الأسبوع. بدأنا باستخدام الفحم، ثم انتقلنا إلى الألوان الزيتية، وفعلاً شعرت أنني أتحسن كثيرًا.
كان هيرشبرغ، وهو معلّم صارم وفنان متميّز، يزور الورشة مرة في الأسبوع، وكان يثني عليّ في كل فرصة، حتى أنه قال أمام الجميع إنني سأصبح رسّامًا. لكن في أعماقي، شعرت أن هذا ليس مكاني.
في أحد الأيام، حين زرنا مرسمه ونظرنا بدهشة من حولنا، بدا المكان أشبه بمختبر.
كان هيرشبرغ يوبّخنا باستمرار، ويُحذّرنا بشدة من لمس أي شيء.
رأينا عشرات اللفائف محكمة الإغلاق، بداخلها تدرّجات من اللون الأخضر كان يعتزم استخدامها لرسم أشجار السرو – كان هناك أكثر من ثلاثين تدرّجًا من الأخضر!
بدا لي الأمر تقنيًا جدًا ومرهقًا للغاية.
ثم، قبل أن أغادر المرسم، رأيت أقراص موسيقى كلاسيكية على طاولة في زاوية الغرفة.
كان على غلاف أحدها رسم غروتسكي رائع – لا أذكر ما هو بالضبط، لكنني نظرت إليه، ثم نظرت إلى أشجار السرو الواقعية المذهلة التي رسمها هيرشبرغ، وفهمت:
روحي لا تشتاق إلى أشجار السرو التشخيصية ذات الثلاثين تدرّجًا من الأخضر.
روحي تشتاق، كما كانت دومًا، إلى الغروتسكي، إلى المبالغة، إلى الشيء الذي لا يحاكي الواقع بصورة مباشرة.
ويبدو أن هذا لم يكن فقط في الرسم، بل في الكتابة أيضًا.
بعد تلك الزيارة لمرسم هيرشبرغ – انسحبت من الدراسة.
هل حقيقة كونك كاتبًا نابعة من كونك رسّامًا أيضًا، أم أنك بدأت تكتب دون علاقة مباشرة بالرسم؟ وهل يمكنك أن تحدّثنا عن العلاقة بين الاثنين؟
أعود بذاكرتي إلى طفولتي، إلى فتاة صغيرة كنت أحبها في ذلك الحين. كانت صديقتي لفترة قصيرة، لكنها لم تبادلني الحب.
أتذكّر الليالي التي كنت أستلقي فيها في سريري، محمومًا ومشتعلًا بالرغبة، أوجّه كل إرادتي، كل أفكاري، وكل صلواتي المتواصلة نحو أمنية واحدة: أن يحدث شيء كبير، رهيب ومفاجئ، يهز الواقع ويجعلها تحبّني في المقابل.
وبعد بضعة أسابيع، قُتل والدها – وكان مظليًا في الاحتياط، رجلًا طيبًا، حساسًا – في الحرب.
أما الفتاة ذاتها، فبدأت تتلاشى تدريجيًا من ذاكرتي. وكل ما تبقى لي منها هو والدها.
أستحضر الآن بمخيّلتي الممر أمام بيتهم في شارع "كريات سيفر 12" في ريشون لتسيون، وأتخيّله يمشي فيه في بدايات شهر أكتوبر، مرتديًا بزّته العسكرية وحقيبته على ظهره.
يمسك بي حزن عميق لا يفلتني، وأتساءل: هل توقّف في نهاية الممر، عند حافة الرصيف، ورفع عينيه نحو البيت للمرة الأخيرة؟
بعد عشرين عامًا بالتمام والكمال من تلك الحادثة، كنت قد أنهيت دراستي في قسم التصميم الغرافيكي في "بتسلئيل"، ودعاني حينها محررو صحيفة "بمحنيه" لكتابة قصة مصوّرة متسلسلة.
الشرط كان أن تكون للقصة علاقة ما – ولو رمزية – بالجيش.
وبما أن الموضوع الشخصي هو الأقرب إليّ دائمًا، وبما أنني كنت جنديًا متواضعًا جدًا، قررت أن أعود إلى تلك الحرب القديمة.
تركتُ والد الفتاة جانبًا، واستبدلته بوالدي.
بدّلتُ السنة من 1973 إلى 1967، وأرسلت والدي إلى ساحة المعركة. أما أنا – الطفل – فكنت أقف على الشرفة، أنظر نحو أسفل الشارع، وأنتظر، بإيمان أعمى، أن يعود ما فقدته، أن يظهر مجددًا في المكان ذاته الذي رأيته فيه آخر مرة.
لكنني، في القصة، تركت الأب هناك.
لم أتمكن من إعادته.
وفي القصّة المصوّرة، لا يُعرَف ما حدث له: هل قُتل في المعركة؟ أُسر؟ هرب إلى بلاد أخرى؟
كل ما نعرفه هو أن الطفل الصغير يواصل انتظاره، يراقب ما يحدث في الشارع، وفي غياب الأب، يبدأ بالتفكك تدريجيًا – يتفتت من الداخل – حتى يتلاشى هو الآخر في النهاية.

أوسّع الآن هذا السرد، الذي كنت قد تطرّقت إليه سابقًا حين نشرته في صحيفة "بمحانيه"، وذلك من خلال رسوم رواية غرافيكية أعمل عليها حاليًا بعنوان "ألعاب".
وقد توسّعت فيه أيضًا من خلال الكتابة – إذ يظهر في أحد الفصول الأولى من روايتي القادمة "هجرات الطيور"، التي ستصدر قريبًا عن دار النشر "كنيرِت زَمورا دفير".
هناك، من بين ضباب أواخر صيف بعيد سبق الحرب، لا أزال أرى عديا–سعديا، وهو عَرَقْبي، المعلّم لمادة الزراعة. أراه واقفًا، قاعدته عريضة ورأسه نحيف، منغرسًا في تراب حديقة المدرسة، يسوّي أحواض الزرع بمسّاحته الحديدية.
كانت الأبخرة تتصاعد من الأرض الساخنة، وأرى نفسي هناك أيضًا، طفلًا ينحني بالقرب، يتساءل عن قامته القصيرة، عن نظّاراته السميكة، وعن خصل شعره الكثيفة والمجعدة.
من وقت لآخر، كان ذلك الطفل الذي كنته ينتصب من خلف الغلالة الرمادية، يُخرج بالجاروف حفنة تراب من العربة التي يجرّها، ينثرها، يوزّعها على الحوض، وسعديا، من جانبه، يعيد ترتيب كل شيء ويسوّيه بمسّاحته.
كنت أعلم أن كل ذلك سينعكس مباشرة على ما يُكتب في الشهادة.
وفعلًا، في نهاية ذلك الثلث الأول المشؤوم – الثلث الذي بدأت فيه الحرب – حصلت على تقدير: "قريب من جيد جدًا" في مادة الزراعة.
وهكذا أواصل اليوم، أرى وأصف بتفصيل تلك الأيام القليلة، الأسابيع الأخيرة من البراءة التي سبقت الحرب.
لكن هذه المرة، لن أفرّ بعد الآن من الحقيقة، ولن أتهرّب مما فعلته لتلك الطفلة ولأبيها.
لقد حان وقت الحساب.
ما موقفك من النقد؟
أرى أن النقد البنّاء أمر رائع، أما النقد الهدّام فشيء قاسٍ ومؤذٍ.
في مجال الكتابة مثلًا، إلى جانب الجوائز الأدبية التي حصلتُ عليها والمراجعات الإيجابية -مثل مراجعة الكاتب والناقد يَرون أڤيت في صحيفة مكور ريشون، الذي كتب أن كتابتي، في رأيه، هي "جنة للقرّاء الباحثين عن أدب رفيع في زمن بات فيه النثر أكثر تجاريّة" -كانت هناك أيضًا تعليقات لقرّاء على الإنترنت، كتب بعضهم مثلًا: "رسّام رائع، ويا ليتَهُ بقي في مجال الرسم فقط."
يصعب عليّ تلقّي نقد سلبي موجّه لي؛ ويصعب عليّ أكثر أن أوجّه نقدًا سلبيًا للآخرين -ولهذا السبب، أحاول الامتناع عن ذلك. إن لم يُعجبني شيء ما، أُفضّل أن أحتفظ برأيي لنفسي.
لكن، كوني معلّمًا، عليّ أحيانًا أن أقدّم نقدًا. لذلك، حتى حين أرى أعمالًا ضعيفة للطلاب، أحرص دائمًا على البدء بذكر النقاط الإيجابية فيها، وبعدها فقط أقول ما أعتقد أنه يمكن تحسينه.
سواء تطلّب الأمر تحسينات كثيرة أو قليلة -هذا لا يهم.
المهم دائمًا أن أبدأ بالأشياء الجيدة.
أفترض أنك كمعلّم ساعدت الكثيرين على التقدّم وتحقيق إنجازات. هل كانت أيضًا لحظات شعرتَ فيها أنك سبّبت ضررًا لطالب؟
هذا سؤال يُخيفني.
بحساب تقريبي، أعتقد أنني درّست على مدار السنوات ما بين 2,500 إلى 3,000 طالب وطالبة.
وكما كانت هناك حتمًا لحظات ساعدتُ فيها بعضهم على التقدّم وتحقيق إنجازات -لا بدّ أن كانت هناك أيضًا لحظات أقلّ إيجابية، سبّبتُ فيها، ولو دون قصد، ضررًا لأحدهم.
آمل أن يغفر لي أولئك الذين يحتاجون إلى الغفران.
وأخشى بشدّة حتى مجرّد التفكير في ذلك.
- التاريخ: 27/11/2025
- كلمات مفتاحية: كتب
