أسباب وعواقب صرعة الأدب العابر للأجيال في عصرنا الحاليّ

أسباب وعواقب صرعة الأدب العابر للأجيال في عصرنا الحاليّ
نشهد الآن انجراف الكتب في نمط الحياة الشعبيّ الثقافيّ السّائد، أكثر من أيّ وقتٍ مضى.
أ.د. ساندرا بيكيت، من أبرز الباحثات المعاصرات في ثقافة أدب اليافعين

مرجع المقالة العلمية:
Beckett, Sandra, L. "Causes and consequences of the current crossover craze". In : Crossover fiction: global and historical perspectives. Routledge, 2009. 251-271.

مقالة علمية مترجمة بشكل حصري لموقع حكايا
أسباب وعواقب صرعة الأدب العابر للأجيال في عصرنا الحاليّ

لا يزال بعض المُرتابين يتساءلون ما إذا كانت الفقاعة العابرة للأجيال ستنفجر، وما إذا كانت النزعة العابرة للأجيال ليست مجرّد صَرعَة التي ستتلاشى بنفس سرعة انتشارها، تحديدًا الآن، بعد نشر الكتاب الأخير من سلسلة هاري ﭘوتر، أو على الأقل بعد إطلاق الفيلم الأخير. في مقال نُشر في Publishers Weekly عام 2002، طرحت جوليا إكلشير السؤال الذي كان سيطرحه العديد من المختصّين في عالم الأدب منذ السنوات الأولى لصرعة بوتر وحتى الآن: "هل السوق 'العابر للأجيال' حديث النشأة موجودٌ حقًا؟" يتساءل البعض الآخر عن احتماليّة دوام هذا النجاح الباهر وقراءة هذه الأعمال من قِبل أجيال المستقبل. كما رأينا في هذا البحث، فإنّ الأدب العابر للأجيال لا يقتصر فقط على بعض كتب الأطفال الخياليّة التي أسرت الكِبار في عصرنا الحاليّ. إنّها منظومة شاملة من الأدب المتنوّع العابر للأجيال، تتمتّع بتاريخ طويل وغنيّ، والتي اعتُرفَ بها أخيرًا كجانر مهمّ ومزدهر، بشهادة مؤلّفين وقرّاء وناشرين ونقّاد في جميع أنحاء العالم.
الصَّرعة العابرة للأجيال، والتي اجتاحت العالم في أواخر تسعينيّات القرن الماضي، مع انتشار صَرعة بوتر، كادت تصبح عُرفًا أدبيًّا، ولم يعد من اللائق الحديث عن "حُمى عابرة للأجيال"، مع أنّ جوليا إكلشير ظلّت تستخدم هذا الاصطلاح حتى عام 2005، لتصف الظّاهرة. بشّرت ظاهرة بوتر بعصر جديد في صناعة النّشر. الأثر القويّ لثورة رولينج لم يظهر على الفور، إنّما بشكل تدريجيّ.
في المراحل الأولى، حاول الناشرون والمؤلّفون طرح عناوين مُقلِّدة، على أمل تقليد الكتاب الأكثر مبيعًا والذي حقّق نجاحًا باهرًا. تنبّأ الإعلام بـ "الكتاب القادم لجي.كي. رولينغ"، متوقّعًا منافسةً مع خصوم مثل ليموني سنيكت، يون كولفر، جوناثان ستراود، كريستوفر باوليني، ميشيل ﭘاﭬر وآخرين. أعيدَ طرح كتب سابقة، خصوصًا سيّد الخواتم، لتلائم جيل هاري بوتِر. تلت نجاح كتاب هاري بوتر الأوّل موجة مستمرة من التطوّرات الرّائدة والشيّقة في صناعة النّشر، وقد حطّمت كتب رولينج جميع الأرقام القياسيّة السابقة في هذه الصناعة. قراءتها لمقتطفات من الكتاب الرابع لجمهور يزيد عدده عن 20,000 شخص في إستاد SkyDome في تورونتو، في إطار مهرجان تورونتو الدوليّ الأدبيّ التابع لمركز هاربورفرونت، أدرجتها في موسوعة غينيس للأرقام القياسيّة عن فئة أكبر لقاء قراءة مع المؤلّف في العالم. بالرغم من سيطرة هاري بوتر على المشهد العام في الأدب العابر للأجيال، وبالرغم من الدعاية التجاريّة المرافِقة المائلة للتظليل على جميع الاعتبارات الأدبيّة، تحدُث في عالم الكتب العابرة للأجيال تحوّلات بارعة، عميقة ومتينة. الآن، وبعد استكمال السلسلة، ستبهَت ظاهرة بوتِر تدريجيًا، ولكن كتب رولينج العابرة للأجيال تركت أثرًا دائمًا على صناعة النّشر وعلى الثقافة بشكل عام.

طرأ على المشهد الأدبيّ في السّنوات الأخيرة تغيير جذريّ. لم يحظَ أدب الأطفال، حتى وقت قريب، باهتمام شديد من حيث الكشف والدعاية والتّسويق. النجاح الباهر الذي حقّقته بضعة كتب عابرة للأجيال ساهم في تحسين وضع كتب الأطفال ومنحها مكانة جديدة كليًّا. بُعثت في إصدارات الأطفال روح جديدة، وحظيَت الإمكانات التّجاريّة لسوق أدب الأطفال باعتراف المؤلّفين والناشرين على حدّ سواء. كما جاء في أقوال آن فاين، "ما كانَ خفيًّا ومنعزلًا (قبل صَرعَة هاري بوتر) أصبح فجأةً الاتّجاه السّائد". الكتابة للأطفال لم تعُد غيتو مُهمّشًا، مثلما رآها البعض في السابق. في الواقع، يشعر العديدون أنّ مكانة أدب الأطفال ارتفعت لتصبح موازية لمكانة أدب الكِبار. لطالما كان أدب الأطفال ومؤلّفو أدب الأطفال عرضةً للتّجاهل من قِبل النقّاد الأدبيّين المركزيّين، إلا أنّهم يحظون حاليًا بتقدير متزايد في المؤسّسة الأدبيّة، ويحتلّون مكانة أعلى في الإعلام. تتنافس كتب الأطفال على جوائز أدبيّة مركزيّة مرموقة، وأصبح عالم أدب اليافعين يستقطب مواهب جديدة يرجَّح أنّها لم تكن تفكّر قبل عقد من الزمن في الكتابة للأطفال. المكانة الجديدة التي احتلّها أدب الأطفال والظاهرة العامّة للأدب العابر للأجيال تُعتبَران من العلامات الثقافيّة الأكثر أهميّة وإذهالًا في عصرنا الحاليّ. قبل عقد من الزمن، لم تتنبّأ بازدهار أدب الأطفال إلا قلّة قليلة من النّاس. في منتصف التسعينات، لم يكن من الممكن لأحد أن يتوقّع أنّ الشخصيّة الأعلى مكانةً في ثقافة الأطفال ستكون شخصيّة أدبيّة، أو أنّ الشخص الأكثر شهرة في العالم سيكون مؤلّفًا لأدب الأطفال.
لا يحظى أدب الأطفال باعتراف جديد فحسب، بل أصبح يُستقبَل بحفاوة من قِبل القرّاء البالغين، مؤلّفي أدب الكِبار، النّقّاد الأدبيّين، الناشرين والإعلام. يُعتقَد أيضًا أنّ لأدب الأطفال مساهمة قيّمة في المشهد الأدبيّ العام، حيث تُصَبّ طاقة جديدة. إنّ تأثير الظاهرة العابرة للأجيال على حقل أدب الأطفال بشكل عام غير قابل للقياس، إذ لا حدود له. في الوقت ذاته، من المسلّم به على نطاق واسع أنّ هذه الفترة مثيرة جدًا بالنسبة لصناعة النّشر بشكل عام، أساسًا بسبب الكتب العابرة للأجيال. تشير إلى ذلك سوزي جينـﭬـي، رئيسة التحرير في دار النشر Faber & Faber، في ملحوظة لها، والتي افتتحت بها هذه الخاتمة: "نشهد الآن انجراف الكتب في نمط الحياة الشعبيّ الثقافيّ السّائد، أكثر من أيّ وقت مضى". لا يزال الأدب العابر للأجيال يشقّ قنوات جديدة في عالميّ الأدب والنشر، حيث يُحدِث تغييرات شتّى في النُظم والقوانين والجوائز الأدبيّة، في قوائم الكتب الأكثر مبيعًا، في مفاهيم مجموعات القرّاء، في مكانة المؤلّفين وفي صناعة النشر وآليّات بيع الكتب.
كانت كتب الأطفال بحاجة لتغيير ما لكي تصمد في عالم الوسائط المتعدّدةـ حيث تتنافس العديد من وسائل الترفيه المختلفة على جذب انتباه الكبار والصّغار على حدّ سواء. قبل بضع سنوات، تنبّأ العديد من النّقّاد، المقتنعين بأنّ أدب الأطفال كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، بارتكاس صناعة أدب الأطفال. في ثقافتنا التّكنولوجيّة، ننغمس في وسائل ترفيه سهلة المنال، في الوقت الذي أصبحت فيه الثقافة سلعة عالميّة. في منتدى لجمعيّة اللغة الحديثة، الذي كنتُ قد نظّمته عام 1997 حول "واقع كتب الأطفال في الألفيّة الحاليّة والقادمة"، والذي شارك فيه مؤلّفون، رسّامون، ناشرون ومثقّفون من عدّة بلدات، بدا أنّ الأدب العابر للأجيال نشأ كوسيلة لصمود وبقاء الكتاب أمام وسائل الإعلام البصريّة التي تحتلّ مكانة مؤثّرة ومعتبرة في هذا العصر التكنولوجيّ والاقتصاديّ العالميّ. أعربَ الكاتب الكنديّ تيم واين جونز عن إيمانه بأنّ القصّة ستصمد أمام التهديد الخَطِر الذي يلوح في الأفق، بوشوك نهاية الألفيّة. بعد ذلك بأقلّ من ثلاث سنوات، قدّم واين-جونز، بالتّعاون مع كينيث أوﭘيل، "العرض الافتتاحيّ" التمهيديّ لقراءة رولينج لبعض مقتطفات القصّة الأسرع مبيعًا، أمام الجمهور الأكبر عالميًا. لم تعُد هناك على ما يبدو أيّ شكوك حول صمود القصّة والكتاب. في حوار يعود إلى العام 2002، تطرّق جوستاين غاردر إلى مصير "القصّة" عندما وجد الأدب- والكتّاب- أنفسهم في مواجهة مع وسائل الإعلام الجديدة مثل التلفاز، الفيديو، الحواسيب، الشبكة العنكبوتيّة وما إلى ذلك. ومع أنّه يُعتقَد أنّنا لا ندرك حقًّا أثر تكنولوجيا المعلومات على حياتنا وعلى ثقافتنا بشكل عام، إلا أنّ وجهة نظره مماثلة لوجهة نظر واين-جونز: "الشيء الوحيد الذي يمكنني قوله بالتأكيد هو أنّ القصّة باقية". لقد نجحت سلسلة هاري بوتر في تحويل ملايين الأطفال المدمنين على ألعاب الفيديو والتلفاز إلى قرّاء نهمين، وأكّدت ظاهرة الأدب العابر للأجيال أنّ الكتاب والأدب سيواصلان احتلال مكانة هامّة في الترسانة الثقافيّة للعصر الرقميّ.
وُضعت فرضيّات عديدة لمحاولة فهم النزعة العابرة للأجيال، خاصةً اجتذاب كتب الأطفال للقرّاء الكِبار. ولكنّ ذلك قد يعود إلى مزيجٍ من العوامل المختلفة. تقدّم الكاتبة ليندا نيوبيري تفسيرًا بسيطًا للظاهرة، في مقابلة نُشرت على موقع Wordmavericks: "أعتقد أنّ السبب هو أنّ الكبار مدركون أنّ هناك أدبًا جيّدًا للأطفال والقرّاء الصّغار! أعتقد أنّ ذلك كان قائمًا منذ فترة طويلة في الأوساط الملمّة بالمجال، مثل أمناء المكتبات، ولكن في نهاية المطاف، أدرك الناشرون ومتاجر الكتب ذلك، وسَعوا لاستغلاله لتحقيق الأرباح. يميل العديد من الناس إلى التّطرّق فورًا إلى العوامل الماديّة التي تضعها نيوبيري في مكانة ثانويّة، نسبةً للمزايا الأدبيّة. لا شكّ بأنّ المؤلّفين والناشرين أدركوا أخيرًا الإمكانات التجاريّة الكامنة في شراء كتبهم من قِبل عدد أكبر من القرّاء من مجموعة عمريّة أوسع. يتمّ التّرويج لكتب الأطفال في أوساط القرّاء الكبار عمدًا، ويسهّل الناشرون وباعة الكتب على القرّاء الكبار عمليّة شراء كتب الأطفال. تُعرَض كتب الأطفال والقرّاء الصغار في أقسام الكِبار في متاجر الكتب، وغالبًا ما تكون أغلفة الكتب مركّبة جدًا إلى حدٍّ يحول دون إمكانيّة تمييزها عن كتب الكِبار. التوجّهات الأكثر نقدًا تعتبِر نزعة الأدب العابر للأجيال ظاهرة تجاريّة وتسويقيّة. هناك العديد من المقالات الصحفيّة التي تحمل عناوين من قبيل " هاري بوتر وفنون جني الأموال"، حيث يعبّر فيليب هينشير عن وجهة نظر يشاركه إيّاها العديدون: "إنّ مشروع جي.كي. رولينج انتقل منذ مدة طويلة من مجال الأدب إلى مجال المحاسبة". غالبًا ما يعتبِر المثقّفون أيضًا سلسلة هاري بوتر وكتبًا شهيرة أخرى عابرة للأجيال، ظاهرة تسويقيّة وإعلاميّة-جماهيريّة. ولكن كما ينوّه فيليب نيل، وبحقّ، فإنّ سلسلة هاري بوتر تحديدًا هي "ظاهرة تسويقيّة وأدبيّة على حدّ سواء". بكلّ أسف، يصعب غالبًا الفصل بين الظاهرتين، وتطمس الظاهرة التّسويقيّة نظيرتها الأدبيّة". قد تكون سلسلة هاري بوتر مألوفة أكثر في أوساط طلاب التسويق وليس طلاب الأدب في الجامعات، حيث يشكّل الفتى-الساحر دراسة حالة دارجة في دروس التّسويق.
تُعتبَر علامة الأدب العابر للأجيال من قِبل البعض مجرّد وسيلة للمصادقة على كتاب ما للأطفال ورفع قيمته الأدبيّة المتصَوَّرة. إلا أنّ الكتب العابرة للأجيال كانت موجودة فترة طويلة قبل ابتداع العلامة والاعتراف بالسوق. المدّعون أنّ الكبار يقرؤون أدبًا عابرًا للأجيال فقط لكي يفهموا السبب وراء هذه الدعاية يجهلون حقيقة أنّ قراءة الكبار لكتب الأطفال هي أصلا السبب وراء هذه الدعاية. يدّعي بعض النّقّاد المتهكّمون أنّ القرّاء الكبار للأدب العابر للأجيال هم أشخاص يتوقون لأن يصبحوا مثل رولينج، ويسعون لاكتشاف الصيغة الناجحة، بالرغم من أنّ ذلك لا يفسّر وجود أعداد هائلة من الكبار الباحثين عن كتب الأطفال. القرّاء الكبار لأدب الأطفال يسموّن بـ "السوّاح" في عالم أدب الأطفال، ولكن في الواقع، يبدو أنّهم أصبحوا سكّانًا دائمين.
شكّلت سلسلة هاري بوتر البداية لما يسمّيه العديد من النُقّاد بالعصر الذهبيّ لأدب الأطفال، وجاء في في مقال نُشر في صحيفة The Guardian في عام 2001 "إنّه على أحسن تقدير العصر البرونزيّ للأدب، بحيث بقيت الشركات العملاقة القديمة (Rushdie, Amis, Barnes) عالقة في العصور الوسطى التكراريّة. إلا أنّ هذا العصر آخذ في التحوّل إلى عصر ذهبيّ في كلّ ما يتعلّق بأدب الأطفال". كثيرًا ما يتحدّث النّقّاد عن العصر الذهبيّ لأدب الأطفال البريطانيّ في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، وهو العصر الذي أُنتِجت فيه الروائع الكلاسيكيّة العابرة للأجيال/المُعدّة للأطفال مثل أليس في بلاد العجائب وبيتر بان. في عام 2003، رَبَط أس.أف. سعيد العصر الذهبيّ الحاليّ ليس فقط بالعصر الذهبيّ الذي استهلّه روديارد كبلنغ قبل حوالي قرن من الزمن، بلّ أيضًا بـ "العصر الذهبيّ" لستينيّات القرن الماضي، والذي برز فيه أدباء مثل أورسولا لي جوين وألان غارنر وسوزان كوﭘر. يرى سعيد أنّ القاسم المشترك هو الأسطورة. يعتقد ميشيل تورنيه أيضًا أنّ "البُعد الأسطوريّ" يجعل العمل الأدبيّ ملائمًا للقرّاء من جميع الأجيال بسبب طبيعته المتعدّدة الطبقات التي قد تكون جذّابة لطفل في طبقة ما، ولعالمٍ ميتافيزيقيّ في طبقة أخرى. الأسطورة تعتبَر أداة مُثلى للمؤلّفين الراغبين في مخاطبة جمهور عابر للأجيال. يعزو سعيد، وبِحقّ، الجاذبيّة التي تتمتّع بها "الروائع الأدبيّة أو السينمائيّة العابرة للأجيال" لحقيقة أنّها تتعامل مع بُعدها الأسطوريّ بشكل جديّ" وليس لحقيقة أنّها "صُمّمت بطريقة تساعدها على جني أكبر قدر ممكن من الأرباح". بالرغم من الدعايّة والتّتجير، ينتِج هذا العصر الذهبيّ الجديد لأدب الأطفال أعمالا عابرة للأجيال، تتعامل مع بُعدها الأسطوري بجديّة قصوى، لنأخذ مثلا ثلاثيّة مواده المُظلمة (His Dark Materials) لفيليب بولمان و Tales of the Otori لـليان هيرنز. تقدّم لنا الأعمال العابرة للأجيال نماذج أصليّة تخاطب اللاواعي بطرق غير متّبعة في أدب الكبار. مع تطوّر أدب الأطفال، اقتُلِعت الخرافات والأساطير وقصص الحوريّات بشكل كبير من مقرّر البالغين وأُدخِلت إلى مكتبات الأطفال. يسعى البالغون الآن لاسترداد حقوقهم في هذه الأعمال المسمّاة بقصص أطفال.

لا يزال البعض يرفض الاعتراف بالأدب العابر للأجيال كـ "أدب جديّ". في مقال نقديّ لرواية I’m not Scared، يتحدّث الأديب البريطانيّ جورج والدن باستخفاف عن "هؤلاء الذين يبيعوننا كتبًا-أفلامًا ومؤلّفات طفوليّة على أنّها أدب جديّ". إنّه لأمر مثير للسخريّة لأنّ رواية نيكولو أمامنيتي نُشِرت كرواية للكبار، ولاقت استحسانًا كبيرًا في إيطاليا. كثيرًا ما تعتبَر الكتب الرائجة العابرة للأجيال مجرّد "موادّ تافهة وتهربيّة"، ويُتّهم البالغون قرّاء هذه الكتب بالتهرّب من الواقع بين أغلفتها. غالبًا ما تُنسَب هذه الوصمة التهرّبيّة إلى الروايات الخياليّة الرائجة الشبيهة بسلسلة هاري بوتر. يعتقد بعض المعقّبين أنّ هذه النزعة هي نتيجة مباشرة لنمط حياة مضطرب يشجّع البالغين على التوجّه إلى مؤلّفات أقلّ جديّة. مايي لي، مديرة التسويق في آسيا ودول المحيط الهادئ لشركة Simon&Chuster، ترى هذه التطوّرات في السوق الآسيويّة. حسب أقوالها، تدلّ الأبحاث على أنّ "البالغين يستعينون بالكتب العابرة للأجيال للتحرّر من الضغوطات لبضع لحظات مختطفة من جداول زمنيّة جنونيّة". مع ذلك، يُنظر إلى قراءة الكبار لهذا الأدب من منظور سلبيّ، باعتبارها دلالة على عدم رغبتهم في تحمّل المسؤولية حيال تشكيكهم وعدم تيقَنهم من المستقبل. يشير بعض النّقّاد التهكّميّين إلى "تحويل ثقافة البالغين إلى طفوليّة"، أو التّدهور الفكرّي أو تسخيف الثّقافة بشكل عام.
في مقال بعنوان “Dumbing Down American Readers”، يدّعي الناقد الأمريكي هارولد بلوم، مؤلّف كتاب The Western Canon ، أنّ كتب هاري بوتر، مثل روايات ستيفن كينغ، هي دلالة على تسخيف الأدب والثقافة والمجتمع الأمريكيّين. يعتقد أنتوني هولدن أنّ نجاح كتب رولينج هو دليل آخر على أنّ البريطانيّين “يُسحبون إلى الأسفل من قِبل مموّلي وسائل الترفيه الجماهيريّة التافهة". من خلال وصف هذه الظاهرة بمصطلحات "ثقافة الأطفال المختطفة من قِبل الطفوليّين"، كتبَ أحد الصحافيّين في صحيفة Times أنّ جمهور قرّاء رولينج دُفعوا جانبًا من قبل البالغين الذين "يُفترَض أنّهم لم يتغلّبوا على حقيقة أنّ غباءهم لا يمكّنهم من قراءة أعمال تولكين". في مقال آخر بعنوان "Harry Potter and the Childish Adult"، وجّهت الرّوائيّة أنتونيا سوزان بيات انتقادًا عنيفًا نحو قرّاء سلسلة هاري بوتِر الكِبار "الطفوليّين والجَهَلة"، الذين "لا يملكون المهارات الكافية لتمييز السّحر الاصطناعيّ عن الشيء الحقيقيّ".
يرى العديدون أنّ المجتمع الحاليّ مليء بالبالغين الطفوليّين غير الناضجين، وهؤلاء هم الذين يقودون نزعة الأدب العابر للأجيال. لقد وُضِعت اصطلاحات جديدة، بكلمات اقترانيّة، للتطرّق إلى هؤلاء "الأطفال الذين لا يكبرون"، من بينها البالغون الصِغار (Kidult)، البالغون المراهقون (adultescents)، مراهقون في منتصف العمر (middlescents) وشبيبة في منتصف العمر (middle youths). وبينما يُعزى ازدياد الكتب العابرة للأجيال جزئيًا إلى سوق قرّاء البالغين الذين تقلّ أعمارهم عن خمسة وثلاثين عامًا، والمنغمسين في ثقافة شعبيّة خاصّة بهم، يقرأ البالغون من جميع الأجيال كتب الأطفال. أعرب بعض الأدباء البريطانيّين، الذين يكتبون حصرًا للكبار، عن خوفهم الشديد، وعن غضبهم أيضًا، تجاه جميع البالغين الذين يقرؤون كتب هاري بوتر. قد يكون غرور المثقّف أو عدم قدرته على تحقيق ما يشتهيه هو ما دفع بروائيّين مثل أنتونيا سوزان بيات، فيليب هينشر وآخرين للاستهزاء بـ”قرّاء بوتر البالغين"، ومخاطبتهم بطريقة سلطويّة. في الصحيفة البريطانيّة The Independent، تطرّق هوارد جاكوبسون إلى الحاجة الملحّة لإسقاط كتب هاري بوتر من أيدي القرّاء البالغين. كرّس جوناثان ميرسون مقالا مطوّلا لـ "البالغين الحزانى" الذين يقرؤون كتب أطفال، بحيث يعتبِر النزعة العابرة للأجيال "مثيرة للشفقة"، ويقول إنّه لو كان بإمكانه، لأرفق إلى جميع هذه الكتب تحذيرًا بارزًا: "هذا الكتاب مُعدّ للأطفال دون سنّ الحادية عشر، وقد يُلحِق ضررًا جسيمًا بمصداقيّتكم". في الواقع، يُلحِق هذا الكاتب ضررًا بمصداقيّته هو بسبب سوء فهمه المُطلق لظاهرة الأدب العابر للأجيال وتقليله من شأن أدب الأطفال والقرّاء الصغار. من وجهة نظره، لا يوجد لدى كتب الأطفال ما تقدّمه للقرّاء البالغين الذين لا يشاركون الأطفال اهتماماتهم ومشاكلهم، كما يدّعي بعناد. ينفي هذا الكاتب احتماليّة وجود شيء يُدعى أدبًا عابرًا للأجيال: "لهذا السبب تُؤلّف كتب مختلفة لهاتين المجموعتين، وتكاد لا توجد هناك أيّ مؤلّفات حقيقيّة تخاطب أجندة المجموعتين". يغالي في النّقدّ بقوله إنّ أسوأ كتاب للبالغين- "الخيال العلميّ الأكثر غشائيّة أو قصص الرّعب الأكثر شرًّا"- أفضلّ للقارئ البالغ من أفضل كتاب أطفال، لأنّ هذه الكتب "مبنيّة على الأقلّ من الطوب الذي تُبنى به تجربة البالغين"، ويوبّخ مؤلّف كتب الأطفال على غبائه الذي يجعله يؤمن بأنّ القارئ الطفل يستطيع "أن يقرأ وأن يستمتع" بحبكة معقّدة. يخاطب ميرسون القرّاء البالغين بغرور قائلا "عليكم الابتعاد عن كتب الأطفال"، ويوصيهم باختيار الأدب المؤلّف خصيصًا لـ "فئة البالغين". يضيف قائلا إنّه في بدايات هذه النزعة العابرة للأجيال، أدركَ البالغون أنّ "قراءة كتاب أطفال كانت أمرًا مُخجلا"، ولكنّنا نقف في العام 2003 "أمام المشهد المروّع لسماسرة المدن والمصرفيّين التّجاريّين الذي يحجزون مقاعد جماعيّة في صالات السينما للترفيه عن طواقمهم".
عارضَ فيليب بولمان مقال ميرسون المرير في فيلم أُنتِجَ حصريًا لحفل توزيع جوائز ويتبريد لعام 2001.
نجد وجهة نظر مختلفة عن قراءة البالغين العلنيّة لأدب الكبار في كتاب Pef بعنوان La grande aventure du Livre (مغامرة الكتاب العُظمى)، والذي أُوكلت إلى مؤلّف كتب الأطفال الشهير ( الذي يكتب للبالغين أيضًا) مهمّة تأليفه عام 1984 لحَملة خاصّة بالكتّاب والقرّاء الصّغار، نظّمتها وزارة الرياضة والشباب الفرنسيّة. في مقطع مُعدّ للقراءة في الميترو، وهي هواية وطنيّة في فرنسا، يدّعي الراوي- الطّفل بـ "أنّنا نحن الأطفال" لا نقرأ في المِترو لأنّ مشاهدة الناس هي أمر مدهش. يصف مشهدًا لسيّدة تضحك بشكل هستيريّ أثناء قراءتها لكتاب صغير، بينما تستعرض رسومات Pef الفكاهيّة مشهد المتفرّجين الفضوليّين الذين يحاولون استراق النظر ليعرفوا ما الممتع فيما تقرأه هذه السيّدة. ردّ فعل البالغين، الذين يستهجنون مشهد السيّدة التي تقرأ كتابًا مصوّرًا، يتناقض مع ردّ فعل الرّاوي الصّغير الذي يشعر بالفخر لرؤيته "كتاب أطفال ملائمًا للبالغين". في عام 1984، كان من المستهجن رؤية شخص بالغ يقرأ كتاب أطفال في المِترو الفرنسيّ، ولكن منذ انطلاق سلسلة هاري بوتر، أصبح هذا المشهد عاديًا في فرنسا وفي العديد من الدول الأخرى. لم يعُد البالغون يأبهون لإخفاء الغلاف عن مرأى سائر المسافرين، على إثر اختفاء الوصمة الـتي أُلصقت بالبالغين الذين يقرؤون كتب أطفال. فقط هؤلاء الذين لم يقرؤوا كتب أطفال منذ مدّة طويلة يعتقدون أنّ اجتذاب هذه الكتب للقرّاء البالغين هو دلالة على السّطحية وتسخيف العقل. العديد من الأعمال، مثل مواده المُظلمة لبولمان، ساهمت في استئصال مثل هذه الادّعاءات. يتّفق الأدباء والناشرون والنّقّاد، على نطاق واسع، على أنّ جزءًا من أفضل المؤلّفات الأدبيّة كُتِبت ونُشِرت خصّيصًا للقرّاء الصّغار. تدّعي سوزي جينـﭬـي أنّ هذه النّزعة ليست “طفلنة” إنّما "تغيير في الثقافة الشعبيّة". في الواقع، بدأت النزعة العابرة للأجيال قبل ذلك بكثير من خلال البرامج التلفزيونيّة والأفلام وألعاب الفيديو، وقد استغرقها وقتًا طويلًا لدخول المجال الأدبيّ، حيث احتلّت مكانة أعلى بكثير. مع أنّ الأفلام العابرة للأجيال كانت تستقطب جماهير ضخمة من الأطفال والمراهقين والبالغين قبل أن تفعل ذلك صَرعَة بوتر على إثر إطلاق الكتب العابرة للأجيال، لم يجذب الموضوع حتّى الآن اهتمام الباحثين في مجال الأفلام.
يرى العديد من النّقّاد أنّ حنين البالغين إلى الماضي هو الذي يدفعهم نحو قراءة كتب الأطفال التي تستحضر طفولتهم. كثيرًا ما تحتوي كتب الأطفال المعاصرة موضوعات تذكّرهم بكتبهم المفضّلة من طفولتهم. يعزو بعض الباحثين مشاعر الحنين هذه، السائدة في المجتمع، إلى العولمة. في مقالة بعنوان "GLOBAL AND LOCAL CULTURES"، يميّز مايك فيذرستون فترة النوستالجيا الأولى، وهي الفترة ما بين 1880 و- 1920، والتي تتزامن مع العصر الذهبيّ الأوّل لأدب الأطفال. وفقًا لأقواله، "ترتبط مرحلة النوستالجيا الثانية بمرحلة العولمة في أواخر القرن العشرين، والتي بدأت في الستينات، ويربطها العديد من النّقّاد بما بعد الحداثة". بالنسبة للمرحلة الثانية، تعكس هذه النوستالجيا في المجتمع المعاصر الخسارة ما بعد الحداثيّة لنقاط المرجعيّة، ممّا قد يؤدّي بالنّاس لتطوير " مختلف الأشكال الفنيّة لاسترجاع جزء من العصر الذهبيّ". مع أنّ فيذرستون لا يتطرّق إلى موضوع الأدب، إلا أنّ وصفه لـ "الفضاءات ما بعد الحداثيّة" يذكّرنا إلى حدٍّ ما ببعض المؤلّفات العابرة للأجيال: "إنها تشجّع الكبار على أن يكونوا طفوليّين من جديد، وتسمح للطفل بخوض التّجارب الصوريّة للبالغين".
المُعالج النفسيّ آدام فيليبس، الذي يحظى باحترام وتقدير كبيرين في الأوساط الأدبيّة في لندن، يؤمن بأنّ "العديد من البالغين ينجذبون لأدب الأطفال لأنّهم يشعرون بأنّهم حُرموا من تلك الطفولة الشّاعريّة، ويتوقون للعودة إلى حالة من البراءة والقدرة على فعل كلّ شيء". في بحث أجرته عام 1984 بعنوان THE CASE OF PETER PAN أو THE IMPOSSIBILITY OF CHILDREN FICTION، تدّعي جاكلين روز أنّ كتب الأطفال ليست حقًا للأطفال، بل كُتِبت على يد كبار يتوقون للطفولة. على نحو مماثل، يعزو البعض ظاهرة الأدب العابر للأجيال الحاليّة لشيء أشبه بمتلازمة بيتر بان. يتساءل بويد تونكين ما إذا كانت "موضة الأدب العابر للأجيال دلالة على ثقافة مليئة بـ "بيتر-بانات مُتخمين، ساعين لإخفاء الآلام القلبيّة المرتبطة بمرحلة ما بعد المراهقة، من خلال الانغماس المُفرط في انتكاسة طفوليّة"، ولكنّه مقتنع بأنّ الوضع ليس كذلك: "إنّه شأن القرّاء البالغين (والمؤلّفين البالغين) الذين يستردّون في دواخلهم حماسة مرحلة ما قبل المراهقة. الهدف من وراء ذلك ليس إحياء براءة مندثرة، بل إغناء الحاضر المُجزّأ بواسط ماضٍ مشترك. في نهاية المطاف، كلّ قارئ في العالم كان- أو بقي- طفلًا، ويستطيع الوصول، إلى حدٍّ ما، إلى درجة معيّنة من الفرح، الخوف، الملل والانفعال الموجودة لدى الطفل. هذا هو ربّما النّوع الوحيد من الشموليّة التي يمكن للأدب أن يدّعي أحقيّته فيه. يشدّد تونكين، وبحقّ، على "الماضي المشترك" الذي يربط بين الصغار والمراهقين والبالغين في القصص الممتدّة عبر الأجيال، والتّابعة للأدب العابر للأجيال.
لا يسعى البالغون للعودة إلى حالة من البراءة من خلال كتب الأطفال. الطّفولة المتمثّلة في الرّوايات العابرة للأجيال غالبًا ما تكون بعيدة كلّ البعد عن الطفولة الشّاعريّة، كما يؤكّد روبرت كورميير، تورمود هوجِن، بارت مويارت وآن بروﭬوست. العديد من هذه الكتب هي قصص بلوغ مؤلمة. المراهق الناضج الذي يحاول فهم عالم الكبار المُذهل هو موضوع شائع في هذا الأدب.
تجتذب هذه الكتب القرّاء الكبار والصّغار على حدّ سواء لأنّها تركّز على تحوّل الأطفال إلى بالغين. إنّها قصص عن تغيير وتحوّل في المجرى الحياتيّ، والتي قد تنطبق على المراهقين، البالغين في متوسّط العمر والمسنّين. في عصرنا الحالي، وأكثر من أيّ وقت مضى، يتقبّل المجتمع فكرة أنّ التحوّل والنّضوج لا يقتصران حصرًا على المراهقين.
بينما يرى بعض النّقّاد أنّ "طفلنة" البالغين هي السبب الرئيسيّ وراء ظاهرة الأدب العابر للأجيال، يشير آخرون إلى "تكبير" الأطفال والشباب الصغار في عصرنا الحاليّ، وقد وُضعت بعض الاصطلاحات مثل “الطفل ما قبل المراهق" (tweenager، tween و tweenie) للدلالة على الأطفال الذين يكبرون بسرعة. غالبًا ما تُعزى الظاهرة العابرة للحدود لحقيقة أنّ أدب الأطفال آخذ في "الكِبَر"، فقد أصبح الأطفال والمراهقون أكثر حِنكةً. على مدار العِقد الماضي، تطرّق بعض النّقّاد إلى "تكبير" أدب الأطفال في الدنمارك وفرنسا ودول غربيّة أخرى. حتى أواخر التسعينات، اعتاد النّقّاد التّشديد على تميّز أدب الأطفال. في بحث نُشر عام 1992 بعنوان "The Pleasure of Children’s Literature"، يكتب بيري نولدمان " مع أنّ الكتاب يتمحور حول كيفيّة تميّز أدب الأطفال عن الجانرات الأخرى، إلا أنّه يقوم بذلك من منطلق الإيمان بأنّ أوجه الاختلاف أقلّ أهميّة من أوجه الشبه، وبأنّ المتعة المستخلصة من أدب الأطفال هي جوهريًا نفس المتعة المستخلصة من جميع أنواع الآداب". في العصر الحاليّ، يصرّ العديد من الأدباء والباحثين على أنّ أدب الأطفال لا يتميّز عن الجانرات الأخرى. لماذا ينبغي على أدب الأطفال فقط اتّباع قوانين محدّدة؟ إنّه أوّلًا وقبل كلّ شيء أدب، ويجب أن يتمتّع بنفس الحريّة الفنيّة، كسائر الجانرات الأدبيّة الأخرى. يتجنّب مؤلّفو أدب الأطفال المعاصرون الأعراف والقوانين التي تحكّمت على نحو تقليديّ بجانر أدب الأطفال، ويشقّون طرقًا جديدة للأدب العابر للأجيال. في البلدان التي تفتقر لتقليد طويل من أدب الأطفال، أو حيث لا يزال أدب الأطفال في بداياته، فإنّ النقص في النماذج السّابقة يمنح المؤلّفين حريّة لا يتمتّع بها المؤلّفون في الدول الغربيّة. هذا هو الحال في جنوب أفريقيا، وفقًا لدَيان هوفميير، التي تدّعي أنّ كتب المؤلّفين الجنوب-أفريقيّين "تحتوي على طاقة خام لا يمكننا أن نجدها في كتب أطفال أخرى". ذلك يفسّر لماذا تتمتّع بعض الكتب، مثل كتاب هوفميير Boikie, You Better Believe It و كتاب سيلو دويكر Thirteen Cents بالجاذبيّة لدى الأطفال والبالغين على حدّ سواء.
كثيرًا ما يُقال إنّ جي.كي. رولينج كسرت جميع قواعد كتب الأطفال التّقليديّة، خاصةً من حيث طول الكتاب والإبهام في موضوع الكتاب، حتى أنّ كتاب هاري بوتر الأول رُفضَ من قِبل العديد من الناشرين، خاصةً بسبب طوله، إذ احتوى قرابة 90,000 كلمة. مع تقدّم السّلسلة، ألّفت رولينج كتبًا أطول، تحدّت الفكرة المسبقة حول قدرة الأطفال على قراءة روايات طويلة. ويُعتبَر كتابها الرابع في السّلسلة كتاب الأطفال الأطول في الوجود. كتاب هاري بوتر وكأس النار، الذي يحتوي 255,000 كلمة، كان تقريبًا بحجم الكتب الثلاثة الأولى معًا. حاول أكثر من بائع كتب واحد حثّ رينكوست، الناشر الكنديّ لكتب رولينج، على تقسيم الكتاب المكوّن من 636 صفحة إلى كتابين. أثبتت كتب هاري بوتر، بشكل لا لبس فيه، أنّ الأطفال قادرون، بسهولة ولهفة، على التهام كتاب مكوّن من 700 صفحة، وطلب المزيد. إلا أنّ هذه الكتب أتت لتؤكّد ما يقوله مؤلّفو كتب الأطفال منذ سنين، حول رغبة وحاجة الأطفال لخوض التحدّيات. قبل صدور كتب رولينج، ألّف أدباء آخرون كتبًا أطول وأكثر تعقيدًا، من بينها كتاب The Neverending Storyلمايكل إيند (428 صفحة) وعالَم صوفي (508 صفحات). مع أنّ كتب هاري بوتر حظيت برواج على نطاق عالميّ أوسع، إلا أنّ قواعد كتب الأطفال التقليديّة، والتي تجاوزتها رولينج، كانت قد كُسرت من قِبل أدباء آخرين في أعمال سابقة. منذ النجاح الساحق الذي حقّقته كتب رولينج، ازداد عدد صفحات كتب الأطفال تصاعديًا في معظم الأسواق الغربيّة.

في حين أنّ أدب البالغين بقي مجزّءًا إلى حدّ كبير (خيال أدبيّ، رومانس، غموض، خيال علميّ وما إلى ذلك)، يسعى أدب الأطفال منذ عدة سنوات لاختراق الحدود. غالبًا ما تتحدّى المؤلّفات العابرة للأجيال الحدود على مختلف أشكالها، وتتخطّى الحدود التّقليديّة العامّة، والحدود التّقليديّة العمريّة. أشارت أورسولا لي جوين في حديث لها يعود إلى العام 1995 إلى أنّ "الجانرات جميعها تلتحم ببعضها البعض". هذا التهجين للجانرات التقليديّة يميّز جزءًا كبيرًا من الأدب المعاصر العابر للأجيال. كتاب جوستيان غاردر، عالم صوفي، الصادر عام 1991، يخلط بين الغموض والخيال. رواية تورمود هوجِن Skriket fra jungelen (صرخة من الأدغال)، الصادرة عام 1989، المصنّفة كـ "رواية سينمائيّة"، تستعير الكثير من التقنيّات السّينمائيّة، وتخلط بين الخيال، الواقعيّة، الإثارة والخيال العلميّ. معالجة فيليب بولمان للقضايا الأخلاقيّة في مواده المظلمة ترفع أعماله فوق مستوى الفئة المحدّدة المسمّاة بـ "أدب الخيال". أُصبحت هذه التوليفات الجامعة والمميّزة جزءًا من الاتّجاه السّائد بفضل ظاهرة الأدب العابر للأجيال. الرواية الأولى لستيفاني ماير الشفق (2005) تشكّل منعطفًا جديدًا في أدب الرّعب، على وجه الخصوص في روايات مصّاصي الدّماء. قصة ماير حول الفتاة الصغيرة التي ترافق صديقًا، يتّضح لاحقًا أنّه مصّاص دماء، تتجاوز أدب الرّعب، بحيث تخلط الرّعب والتّشويق بالرومانسيّة وشيء من الإيروسيّة. بإطارها الواقعيّ، تجذب سلسلة الشّفق مختلف القرّاء، البالغين الشباب والكبار على حدّ سواء، من غير محبّي قصصّ مصّاصي الدّماء أو أدب الرّعب أو الخيال. من بين التّجديدات الأخرى المثيرة للاهتمام، تجدر الإشارة إلى الكتابة العلميّة التي يعتمدها بعض الأدباء في كتب الأطفال والبالغين. ثلاثيّة Bartamaeus لجوناثان ستراود و Jonathan Strange & Mr Norell لسوزانا كلارك تحتويان ملاحظات هامشيّة مطوّلة، الأمر الذي يجذب القّراء البالغين أيضًا، ولكن ليس حصرًا.
غالبًا ما يستخدم مؤلّفو أدب الأطفال الذين تحقّق كتبهم نجاحًا في أوساط القّراء الكِبار تقنيّات سرديّة مركّبة، مثل الخلط بين الجانرات المختلفة، السّردّ الما- ورائيّ والتّبئير المتعدّد، وجرعة أكبر من الجرأة، مقارنةً بنظرائهم الذين يكتبون حصرًا للقرّاء الكبار. تجربة الابتكار في أدب الأطفال والبالغين الصغار (اليافعين)- التي تأثّرت بشكل كبير من التّقنيات الجديدة- نوقشت من قِبل إليزا دريسانغ في بحث صدر عام 1999 بعنوان Radical Change: Books for Youth in a Digital Age. أشار العديد من النّقّاد إلى التّأثير ما بعد الحداثيّ على كتب الأطفال، ليس في الغرب فقط، إنّما في روسيا واليابان وبلدان أخرى أيضًا. وبما أنّ القرّاء الصّغار غالبًا ما يفهمون البُعد اللعبيّ والمرح للنّصوص ما بعد الحداثيّة على نحو أفضل من الكبار، ويجيدون التعّامل مع النّصوص التّفاعليّة، تمّت ملاءمة الحقل الأدبيّ لهذا المستوى. الشّخصيّات في أدب الأطفال المعاصر ليست جيّدة أو سيئة، أو بيضاء أو سوداء، بلّ مركّبة وُمبهمة، كما يظهر بوضوح في ثلاثيّة بولمان. لا يتردّد المؤلّفون في تقديم مجموعة كبيرة من الشخصيّات الثانويّة، ويُعتقد أنّ القرّاء الصّغار أكثر قدرة من الكِبار على تذكّر جميع هذه الشخصيّات. الحبكات المحدّدة بشكل واضح في أدب الأطفال التّقليديّ استُبدِلت بحبكات مركّبة وخطوط سرديّة متشابكة. الحبكة المركّبة في ثلاثيّة بولمان مواده المظلمة تزداد تعقيدًا في كلّ رواية، والشيء نفسه يحدث تدريجيًا في سلسلة هاري بوتر. إنّ ظاهرة أدب الصغار- الكبار العابر للأجيال والشموليّ، والذي حظي باهتمام شديد في السنوات الأخيرة، تعود إلى حقيقة أنّ كتب الأطفال والقرّاء الصغار المعاصرة هي نصوص مركّبة ومتعدّدة الطبقات، الأمر الذي يجذب القرّاء من مختلف المستويات. يُشير مايك بريان، نائب رئيس قسم المبيعات في Penguin International، وبحقّ، إلى أنّ المؤلّفات العابرة للأجيال تتطلّب قدرًا كبيرًا من البراعة لأنّها تُكتب "على عدّة مستويات". يتفاعل القرّاء المختلفون مع هذه النّصوص بشكل مختلف، لكن لا يرتبط ذلك حتمًا بالسّنّ، إنّما بالوعي الفرديّ (القدرات التّصوّريّة، الفكريّة والعاطفيّة، الحسّ الفكاهيّ وما إلى ذلك). يقرأ الأطفال، المراهقون والبالغون نصوصًا من وجهات نظر مختلفة وقد يتوصّل كلّ منهم إلى مغزًى مختلف من القصّة، إلّا أنّ جميعهم يستمتعون بتجربة القراءة بنفس المقدار.
عندما وجّه نجاح سلسلة هاري بوتِر الأنظار نحو مجال أدب الأطفال بشكل غير مسبوق، فوجئَ العديد من القرّاء الكبار بأنّ هذه الكتب كانت أكثر قتامةً وإزعاجًا ممّا توقّعوا. لا يتردّد مؤلّفو أدب الأطفال اليوم في عرض صورة أكثر تشاؤمًا للعالم. في رواية The Curious Incident of the Dog in the Night-Time، يدّعي مارك هادون أنّه أراد التخلّص من "دائرة الأمان اللامرئيّة" التي تميّز أدب الأطفال، وإعلام القارئ بأنّ " هذا هو العالم الحقيقيّ، وأنّه قد تحدث فيه أمور سيئة". موقف العديد من المؤلّفين المعاصرين مناقض تمامًا لما صرّح به إساك سنجر عام 1977: "أحاول أن أكتب نهاية سعيدة لقصص الأطفال لأنّني أعرف مدى حساسيّتهم. إن قلنا للطّفل إنّه لم يتمّ القبض على القاتل ومحاكمته، سيشعر بأنّه لا توجد عدالة في هذا العالم". حتّى في سبعينيّات القرن الماضي، لم يشارك جميع مؤلّفي أدب الأطفال سِنجر رأيه هذا. وفقًا لريتشارد آدامز، "يجب قول الحقيقة للأطفال بأيّ ثمن، دون المغالاة في وصف الألم الجسديّ والخوف، إنّما التطرّق إلى التساؤلات التي ليست لها أجوبة قاطعة- ما سمّاه توماس هاردي بـ "القساوة الجوهريّة للحالة البشريّة". الرواية الأولى لروبرت كورمييه، المعدّة للصّغار والكبار، رُفِضت من قِبل العديد من الناشرين بسبب نهايتها المتشائمة، وقد وَصفت أعماله اللاحقة الجوانب المُظلمة لفترة المراهقة. منذ بداية مسيرته المهنيّة، لم يتردّد تورمود هوجِن قطعًا في توظيف موضوعات مزعجة لأنّه يريد تصوير الحياة كما هي، بخلاف الصورة التي يريد البالغون رسمها للأطفال. يعرّف دانييل هاندلر الأدب القاتم كمؤلّفات تحتوي "درجة عاليّة من الفوضى". يشعر بأنّ النّقّاد يحتجّون على العالم الفوضويّ جدًّا والذي أوجده في سلسلة A Series of Unfortunate Events، حيث يعاني أيتام عائلة بودلير قدرًا مفرطًا من الحزن، القنوط، الألم والمعاناة، يتعدّى معاناة الأيتام في روايات ديكنز. ولكن من وجهة نظره، "معظم كتب الأطفال ليست قاتمة بالقدر الكافي، نظرًا لعشوائيّة وفوضويّة العالم الحقيقيّ". يردّد العديد من الأدباء رأي هاندلر القائل إنّه من المهمّ تعريف الطّفل على الحقيقة، وإن كانت قاتمة ومؤلمة، ولا يكتفون بتصوير الجوانب المظلمة للعالم، إنّما خباياه المظلمة أيضًا. تؤمن فرانسيسكا ليا بلوك "بأهميّة الاعتراف بالجوانب المظلمة في دواخلنا والتّعبير عنها، ويشمل ذلك الجوانب المظلمة لدى الصّغار".

لا يتبنّى جميع مؤلّفي الأدب العابر للأجيال هذا الرأي. يدّعي البعض أنّ الأطفال يجب أن يشعروا بالأمان وعدم الانكشاف على جميع شرور العالم في هذه المرحلة العمريّة. يستنكر مايكل هويي، مؤلّف Hermux Tantamoq Adventures، وجود وسائل ترفيه "قاتمة للغاية" للأطفال في الولايات المتّحدة. حتّى أولئك الداعمين لتمثيل الجوانب المظلمة للحياة يشعرون بأنّه من المهمّ احتواء المؤلّفات على جانب مشرق. تؤكّد كاثرين باتيرسون بشكل قاطع أنّها لا تستطيع ولا ترغب في "منع القرّاء الصّغار من معرفة الحقائق المؤلمة عن حالات الجوع والمعاناة والفقدان التي يواجهها الإنسان، ولكنّني لن أتوانى عن زرع بذور الأمل". تقول أورسولا لي جوين أيضًا: "هناك نوع من اليأس الذي لا يمكننا إسقاطه ببساطة على الأطفال. يمكننا إسقاط ذلك على البالغين، في بعض الأحيان". يستعرض مايك كادِن حججًا مقنعة، قائلّا إنّ الاعتبارات الأخلاقيّة وما يسمّيه بـ "استمراريّة الأمل" هي ما يحدّد الجانر والجمهور بالنسبة لأورسولا لي جوين. في مقارنة بين روايات البالغين الصغار (اليافعين) والبالغين الكبار حول مرحلة المراهقة، وجدت هيلما ﭬان لييروﭖ ديبراوير ونيل باستيانسين-هاركس أنّ الاختلاف الرئيسيّ كان حضور الأمل والتفاؤل في معظم روايات البالغين الصغار (اليافعين)، بالرغم من وجود بعض الاستثناءات. يشعر العديد من مؤلّفي أدب الأطفال والأدب العابر للأجيال بمسؤوليّتهم الأدبيّة تجاه قرّائهم.
الجانب المُظلم والمُبهم في أدب الأطفال ليس جديدًا كما يعتقد العديدون. لطالما تضمّنت كتب الأطفال الرّائجة، وحتى المعياريّة منها، عناصر العنف والموت. الحكايات الخرافيّة لبيرو، الأخوين غريم وأندرسن مليئة بالقسوة، العنف والموت. ينطبق ذلك أيضًا على أليس في بلاد العجائب و بيتر بان. وصَفَ أحد النّقّاد بيتر بان بأنّه "على حدود الاضطراب النفسيّ... إذ تصدر عنها تعابير مخيفة مثل "أنساهم بعد أن أقتلهم" أو "الموت سيكون مغامرة كبرى"". يخيّم الموت أيضًا على كتاب الأطفال المحبوب جدًا شبكة شارلوت. يشكّل أدب الأطفال القاتم نقطة التقاء بين القرّاء الصغار والكبار. بيـﭬرلي هوروﭬيتس، نائبة رئيس وناشرة في مجموعة Knopf Delacorte Young Readers (أحد الأقسام في Random House Children’s Books)، ترى أنّ القضيّة الأوسع هي كيفيّة تعريف جمهور القرّاء لهذه الكتب: "ليس حتمًا أنّ كتب الأطفال أصبحت أكثر قتامة ممّا كانت عليه في السابق، ربّما يعود ذلك إلى حقيقة أنّ الصّغار يقرؤون كتبًا أكثر قتامةً". عملت هوروﭬيتس مع روبرت كورميير وفيليب ﭘولمان، ولاحظت أنّ القرّاء الصّغار يتناولون كتبًا غير مُعدّة لهذه الفئة العمريّة"، وهي تشدّد، وبحقّ، على أنّ الأطفال من نفس الفئة العمريّة ليسوا جاهزين حتمًا لقراءة نفس المواد. يحذّر بعض النقّاد الأهالي من السماح لأطفالهم العصبيّين بقراءة كتاب كورالاين لنيل غيمان، إلا أنّ الأطفال أنفسهم يحبّون الكتاب. يبرّر الكاتب اختياره للموضوع المخيف من خلال الإشارة إلى الأخوين غريم: "لا توجد أيّ عناصر مخيفة أو مروّعة أو مرعبة في كورالاين، كتلك الموجودة في "هانسل وغريتيل". يشعر الكاتب بأنّ "الصّغار أفضل من الكبار من حيث الرقابة والاحتماء الذاتيّ من أيّ ضرر". في عصرنا الحالي، أمسى الأطفال أقلّ حساسيّة للعنف إلى حدٍّ ما، نظرًا للمضامين التي تعرضها وسائل الإعلام الأخرى- التلفاز، الأفلام، ألعاب الفيديو وشبكة الإنترنت- والتي يتعيّن على الكتب أن تنافسها الآن. ولكن للكتب ميزة خاصّة، تتلخّص بأنّها تعطي الوقت للمزيد من التفكير المعمّق في هذه القضايا المقلقة. يدّعي الكثيرون أنّ أدب الأطفال القاتم، الصادر في عصرنا الحاليّ، هو مجرّد انعكاس للعالم القاتم الذي يعيش فيه الأطفال الآن.
الموضوعات المتناولة حاليًا في أدب الأطفال متنوّعة جدًا، وغالبًا ما تكون جدليّة. على إثر تحرّرهم من الأعراف الأخلاقيّة والمحرّمات الصارمة التي كانت مهيمنة على مجال أدب الأطفال لفترة طويلة، تراجَع العديد من الكُتّاب عن عرض الموضوعات النموذجيّة لكتب الأطفال، واستكشفوا موضوعات "أكبر سنًّا". “A Children’s Writer with Adult Topics" هو عنوان لمقال مُكرّس لفيليـب بولمان، ولكنّه ينطبق أيضًا على العديد من مؤلّفي أدب الأطفال المعاصرين. من بين مجموعة الموضوعات الجدليّة الواسعة التي تتناولها حاليًا كتب الأطفال، نخصّ بالذكر الجنسانيّة، الحَمل، سِفاح القربى، الاستغلال الجنسيّ، الانتحار، القسوة، القتل، الإرهاب، العنصريّة، الإبادة الجماعيّة، الحرب، المرض والموت. وتيرة هذا التحرّر في بعض الدول كانت أسرع من وتيرة وقوعه في دول أخرى، وخاصّة في الدول الشماليّة. لأكثر من عشرين سنة، دأب الكاتب السويديّ بيتر بوهل (Peter Pohl) على عرض موضوعات شائكة مثل العنف والموت والوحدة، في كتب نادرًا ما كانت نهايتها سعيدة. رواية تورمود هوجِن Vinterstedet عن موضوع الانتحار، والتي لاقت استحسانًا كبيرًا، صدرت في النرويج عام 1984.
أصبح أدب البالغين الصغار (اليافعين) أكثر وضوحًا وصراحة من حيث الموضوعات. تتناول رواية ديان هوفميير Blue Train to the Moon (1993) موضوع الوقوع في الحبّ والإصابة بفيروس العوز المناعيّ البشريّ، بينما لم تتردّد ميشيل ﭘاﭬر في تقديم وصف واقعي لمرض الطاعون في سلسلة Chronicles of Ancient Darkness. قصّة Boikie You Better Believe It (1994) لهوفميير ورواية How I Live Now (2004) الأكثر مبيعًا لميغ روزن، والتي بُشّر بها كأفضل رواية عابرة للأجيال منذ صدور رواية مارك هادون The Curious Incident of the Dog in the Night-Time، تتناولان موضوع الإرهاب. روايتا Tunes for Bears to Dance (2005) لروبرت كورميير و The Book Thief (2005) لماركوس زوساك تتحدّثان عن أهوال المحرقة النازيّة. ترى جوليا ألـﭬاريز أنّ روايتها Before We Were Free (2002) شبيهة بكتاب The Diary of Anna Frank ولكنّها مُعدّة لجمهور قراّء أمريكا اللاتينيّة. خطرت للكاتبة فكرة الرواية، والتي تدور حول حياة الطفلة أنيتا إبنة الثانية عشر في جمهوريّة الدومينيكان، تحت نظام الحكم القمعيّ للزعيم رفائيل تروخيو، عند اطّلاعها على قائمة كتب للقرّاء الصغار والتي تتناول موضوع المحرقة النازيّة، وتساءلت عن سبب غياب مثل هذه المؤلّفات في بلادها. مع أنّها تساءلت في بادئ الأمر ما إذا كان من اللائق الكتابة عن تعذيب الناس في الحركات السريّة الدوميناكينيّة للقرّاء الصّغار، قرّرت ألـﭬاريس في نهاية المطاف الكتابة عن هذا الموضوع لأنّه يشكّل جزءًا لا يتجزّا من الحياة. توظّف الكاتبة البريطانيّة جاني هوكر علامة حلزونيّة قديمة على صخرة منتصبة كدلالة على عمليّتيّ الكتابة والقراءة، بحيث يتعيّن على القارئ والكاتب على حدّ سواء المشاركة في استكشاف "أروقة العقل المُظلمة". وفقًا لبارت مويارت، يعترض العديد من الكبار على هذا النوع من الروايات: "لا يمكنك أن تعرض أمام الأطفال رواقًا مظلمًا، دون رؤية ضوء في الأفق"، فهناك تخوّف من إقدام الصغار على "الانتحار أو التّيه".
بادّعائه أنّ كتب القرّاء الصّغار التي تلقى استحسانًا لدى الكبار تتمثّل بخطّين متوازيَين، يشير المؤلّف إلى أنّ القرّاء الصّغار، تمامًا مثل الكبار، لم يعودوا يقبلون قراءة كتب ممّلة. الموضوعات الجادّة، والعميقة غالبًا، التي تتناولها كتب مويارت وآخرين تلقى تجاوبًا لدى الكبار والصغار أيضًا. يدّعي العديد من مؤلّفي الأدب العابر للأجيال أنّ الفرق الأساسيّ، وربّما الوحيد، بين أدب الكبار وأدب الأطفال هو أنّ الأخير لا يتطرّق إلى موضوع الجنس. قال الكاتب الأمريكيّ روبرت هاينلاين ذات مرّة إنّ أدب الخيال العلميّ الذي يؤلّفه لليافعين كان جيّدًا جدًّا لأنّه ألّف واحدة من أفضل روايات الكبار دون التطرّق إلى موضوع الجنس. لاحقًا، صرّح الكاتب البريطانيّ فيليب كير بالمثل، عبر موقع أكاديميّ، بخصوص رواية الأطفال الأولى التي ألّفها The Akhenaten Adventure. مع أنّ مؤلّفي أدب الأطفال لا يستطيعون الاعتماد على الجنس لجذب انتباه القرّاء، إلا أنّ هذا الموضوع يُنحّى جانبًا في الأدب المعاصر للأطفال والبالغين الصغار (اليافعين). في الواقع، طُرحَ موضوع الجنسانيّة، وحتّى الإيروتيكيّة، في أدب القرّاء الصّغار في السّبعينات والثّمانينات. لقد سَبَق ورأينا الإيحاءات الإيروتيكيّة في الكتاب المصوّر Pierrot لميشيل تورنيه، الذي صدر عام 1979. لم يكن موضوع الجنسانيّة غائبًا تمامًا عن مؤلّفات أدب الأطفال التي صدرت في فترات سابقة. على سبيل المثال، في رواية Peter and Wendy، يصف جيمس ماثيو باري الجنيّات اللاتي يترنّحنّ في الغاب "في طريق عودتهنّ من حفلة ماجنة". مع ذلك، أصبح هذا الموضوع أكثر حضورًا في أدب الأطفال منذ السبعينات. يتساءَل الوسطاء الكِبار ما إذا كانت هذه الموادّ ملائمة للقرّاء الصّغار. حُظرت مؤلّفات جودي بلوم للقرّاء الصّغار من قِبل الهيئات الإداريّة للمدارس بسبب تناولها الواضح والصّريح لموضوع الجنسانيّة. عندما قمتُ بالتعقيب على قيام بعد المكتبات بتصنيف الجزء الثّانيّ من سلسلة سالي لوكهارت- التي صدرت عام 1987- ضمن أدب الكبار، بينما صُنّفت سائر الأجزاء ضمن أدب القرّاء الصّغار، قال لي بولمان في رسالة إلكترونيّة بعثها في تاريخ 5 تشرين الثاني 2005 إنّ: "الأمر مرتبط بالجنس- عادةً ما يكون الأمر كذلك". في كتاب The Shadow in the North، تحبل بطلة القصّة خارج إطار الزواج.

لا تتناول سلسلة Tales of the Otori للكاتبة لليان هيرن موضوع الجنسانيّة فحسب، إنّما أيضًا موضوعات الاغتصاب، العنف، المثليّة الجنسيّة، السّاديّة والتّعذيب، ممّا يزوّد هذه الرّواية بالوقود الذي يجعلها ملائمة للقرّاء الكبار. أعتقد أنّ كتب هيرن لا تتماشى مع نموذج أدب الأطفال، لاحتوائها موضوعَيّ العنف والجنسانيّة، ولكنّها لم تكن أوّل من يقوم بذلك. خاض كورميير معارك رقابيّة كثيرة، إذ تحتوي رواياته كلا الموضوعين، إلا أنّ الكاتب يدّعي أنّ رواياته لا تحتوي "المحظورات والإثارة فقط لهدف الإثارة". حتّى في رواية Tenderness، التي تدور أحداثها حول "فتاة بالغة وسفّاح ذي ميل لمجامعة الجثث"، يدّعي أنّه ارتكز أساسًا على "الإيحاءات". تسعى هيرن في سلسلتها إلى "تقبّل الجنسانيّة" بغيّة الاستشفاف بصدق على إحدى الفترات التي مرّت بها الحضارة اليابانيّة والتي اعتاد فيها الشبّان على ارتياد بيوت الدّعارة وإقامة علاقات جنسيّة عابرة مع رجال آخرين". تتناول هيرن هذا الموضوع الخاصّ بعالم الكبار بتحفّظ، دون توسّع. في رواية The Amber Spyglass، يصف بولمان الرغبة الجنسيّة بين ويل ولايرا بإبهام مُتقَن، الأمر الذي يسهّل على القرّاء الصغار التّعامل مع هذا الإبهام. بالرغم من أنّ هذه المشاهد أصبحت أكثر شيوعًا في أدب البالغين الصغار (اليافعين)، إلا أنّها لا تزال مثيرة للجدل. نقدَ عدد من القرّاء الكبار المشهد الجنسيّ الواضح في رواية ليندا نيوبري The Shell House (2002)، إلا أنّ الكاتبة دافعت عن هذا المشهد في إحدى المقابلات، قائلة إنّه "إذا أردنا التطرّق إلى موضوع الجنس في رواية للمراهقين، لا يمكننا "تجنّب" الحديث عن ذلك بوضوح فقط من منطلق الخجل". إيمانًا منها بأنّ المشهد "ملائم جدًا"، تقول الكاتبة، عن قناعة تامّة، إنّ هذا المشهد لن يكون صادمًا لمن يتعمّق في قراءة الكتاب. على غرار العديد من الكُتّاب الآخرين، تعترض الكاتبة على إخراج هذا المشهد من السّياق من قِبل أهالٍ غاضبين يؤدّون دور الرُقباء وليس القُرّاء. أصبحت كتب الأطفال أكثر عرضةً للفحص والتّدقيق من قبل البالغين بسبب الاهتمام غير المسبوق الذي تحظى به هذه الكتب على إثر ظاهرة الأدب العابر للأجيال.
إنّ الآفاق الآخذة في التّوسّع في مجال أدب الأطفال ساهمت في طمس الفروقات بين أدب الأطفال وأدب الكِبار وفي تعزيز الظاهرة العابرة للأجيال في كلا الاتّجاهين. في ثمانينيّات القرن الماضي، تذمّر تورنيه بشدّة من عدم مقدرته على الوصول "إلى جمهوره الرئيسيّ، أيّ أبناء الشّبيبة، في الدّول الأجنبيّة"، تحديدًا في الولايات المتّحدة، لأنّ ناشري كتب الأطفال حول العالم مصرّون على "الامتثال" المُطلق للأعراف والمعايير. ادّعى الكاتب الفرنسيّ أنّ تجارة كتب الأطفال "تعمل وفق منظومة قوانين تحظر جميع أشكال الإبداع الأدبيّ الحقيقيّ". في السّبعينات ومطلع الثّمانينات، ربّما كانت لتورنيه كلّ الأسباب التي تبرّر تذمّره من الفجوة الكبيرة التي تفصل العالم الطليعيّ لأدب الكبار عن عالم كتب الأطفال الأكثر تحفّظًا، والذي اتّسم بقوانين ومبادئ توجيهيّة محدّدة وصارمة. يوجد اليوم عدد قليل جدًا من المواضيع المحظورة في أدب القرّاء الصّغار، إن وُجدت أصلا، الأمر الذي يسهّل على أدب الكبار دخول عالم الأطفال. إنّها بمثابة عودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل خلق أدب منفصل للأطفال. يذكّرنا موريس سينداك بأنّ الحكايات التي جمعها الأخوان غريم تجتذب جميع الأجيال لأنّها "تتطرّق إلى جوهر الحياة- سفاح القربى، القتل، الأمّهات المصابات بالجنون، الحبّ والجنس".
يبدو أنّ جوهر ظاهرة الأدب العابر للأجيال الحاليّة يكمن إلى حدٍّ كبير في فنّ سرد القصصّ. إنّ نجاح الكتب العابرة للأجيال يُنسَب مرارًا وتكرارًا لقدرة القصّة على التّأثير. على غرار العديد من الرّوايات العابرة للحدود، فإنّ رواية Across the Nightinagle Floor، وفقًا لـ Dustjacket "هي عبارة عن سرد رائع ملائم لجميع الأجيال والأجناس". إنّ الحاجة للقصص هي أمر أزليّ، وقد أثبتت ظاهرة الأدب العابر للأجيال أنّها هي أيضًا أزليّة". يحتاج الكبار والصّغار على حدّ سواء للقصص، ويدّعي فرانسيس سبافورد، مؤلّف السّيرة الذّاتيّة الرائجة The Child that Books Build (2002) أنّ التّفكير السرديّ مُحدّد وراثيًا لدى الإنسان، تمامًا مثل اكتساب اللغة، كما أشار أحد المعقّبين "نحن عبارة عن قرود ساردة ومستمعة للقصص". يدّعي العديد من النّقاد أنّ مؤلّفي وناشري الجانر الأدبيّ المزعوم أهملوا القصّة منذ مدّة طويلة. يؤمن سبافورد، الذي أعاد قراءة جميع كتب الطفولة المفضّلة لديه أثناء تأليف الكتاب، بأنّ قصص الأطفال تلبيّ الاحتياج لقصص ساحرة وأخّاذّة يفتقرها أدب الكبار حاليًا. يلقي سبافورد اللّوم على الحداثة التي عزّزت المبادرات التّجريبيّة على حساب السّرد الجيّد "ما يحدث الآن هو العودة إلى القصّة بأقوى معانيها، إلى التّوق الأوّليّ لمعرفة ما الذي سيحدث لاحقًا". في القرن العشرين، لم تُعطَ لسرد القصصّ أولويّة في المؤلّفات الأدبيّة. هذا التوجّه المتقبّل للقصّة بصعوبة ينعكس في جملة إي. إم. فورستر الشّهيرة “Yes- oh dear, yes- the novel tells a story”. في الخمسينات، صرّح ألان روب جرييه أنّه لم تعد هناك شخصيّة وحبكة في الرّواية، ولكنّهما لحسن الحظ لم يختفيا من أدب الأطفال. عندما فاز بولمان بميدالية كارنيجي في عام 1996 عن رواية Northern Lights، هاجم في خطاب القبول (المنشور على موقع Random House) مؤلّفي روايات الكِبار في بريطانيا، مدّعيًا أنّ العديدين منهن فقدوا فنّ سرد القصص الجيّدة وأنّهم يخجلون من القصص "فقط في أدب الأطفال، تؤخذ القصص على محمل الجدّ". لا يزال مؤلّفو أدب الأطفال يلبّون احتياج القرّاء لقصص جيّدة "إذ لا يمكن لمؤلّف كتاب الأطفال تعليق الحبكة للتّركيز على الجوانب الفنيّة لتسلية القرّاء المحنّكين". اضطرّ مؤلّفو كتب الكبار الرّاغبين في معالجة القصص بشكل مباشر إلى الانتقال إلى أنواع أدبيّة مثل أدب الجريمة أو الخيال العلميّ "حيث لا يتوقع أحد البراعة الأدبيّة".
في تعقيب له على زيادة "تعقيد وبعاديّة" الأعمال الأدبيّة، كتب مؤلّف أدب الأطفال أس.أف. سعيد أنّه: "مع الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، غاص الأدب النوعيّ في عالم النّظريّة إلى أن أصبح باهتًا، على أحسن تقدير، وخاليًا من المعنى، على أسوأ تقدير". يتعارض ذلك مع أدب الأطفال الذي صدر في نفس الفترة، والذي تضمّن "سردًا حيويًا وجريئًا من حيث العمق والنطاق، والذي يحجّم جميع الحائزين على جائزة بوكر". قبل ذلك بأكثر من عشر سنوات، عبّر الفائز بجائزة بوكر عن استيائه حيال ما يحدث في الأدب المعاصر. في رواية هارون وبحر القصص، يعترض سلمان رشدي على مساهمة العديد من الأدباء، ومن ضمنهم مؤلّفي كتب الأطفال، في تلويث بحر القصص: "بعض الأدبيّات الرومانسيّة الشّعبيّة أصبحت مجرّد قوائم طويلة من "حملات المشتريات". كذلك الأمر بالنسبة لكتب الأطفال". تدافع رواية هارون وبحر القصص عن فنّ سرد القصص، الذي يناسب إلى حدٍّ كبير جميع الفئات العمريّة. يُستثنى رشدي من القاعدة العامّة التي نطق بها فيليب بولمان عام 1999: "هناك قلّة قليلة من الأدباء الجديرين بنيل جائزة بوكر الأدبيّة، ممّن يجيدون تأليف القصص الجيّدة ويؤمنون بأهميّة القصص". الإجابة عن السؤال الذي "يحيّر" جوناثان ميئيرسون- لماذا يُقحم القرّاء الكبار النّهمين كتب الأطفال بين "ماك إيوان وبلزاك، روث وديكنز"- موجودة لدى الكاتب نفسه الذي يتباهي بـ "رواياته ... الصّعبة وغير القابلة للقراءة". أعربَ العديد من القرّاء والأدباء عن إحباطهم حيال عدد كبير من الأعمال الأدبيّة المعدّة للكبار وحيال "رؤيتها الأدبيّة" المقصودة، والتي قد تضفي نوعًا من الملل على عمليّة القراءة. يوجد حاليًا رفض واسع النّطاق للرّوايات الأدبيّة الانعكاسيّة (Reflexive) أدباء مثل ميلان كونديرا. أعربَ النّقّاد والأدباء والقرّاء عن خيبة أملهم من الرّوايات الأدبيّة الرّائجة، مثل رواية The Blind Assassin للكاتبة مارغريت آتوود، الحائزة على جائزة بوكر للعام 2000. في العام التالي، كانت رواية The Amber Spyglass أوّل كتاب أطفال يُرشّح لنيل جائزة بوكر ضمن قائمة طويلة من الكتب. على إثر هذا التّرشيح، كتب أحد الصّحافيّين في صحيفة الغارديان أنّ: "الفصل بين الجانرات قد يبقى فعّالا على المستوى التّجاريّ، ويُعتبَر بمثابة مصفاة بالنّسبة للأهالي. ولكن إذا أردنا تقييم أفضل المؤلّفات، يمكننا القول إنّ هذا الفصل أصبح مفرطًا". مع أنّ رواية بولمان لم تفز بجائزة بوكر، إلا أنّها فازت بجائزة كتاب العام لـ Whitbread، لتكون أوّل كتاب أطفال ينال هذه الجائزة منذ إطلاقها. مع ازدياد عدد كتب الأطفال المرشّحة لنيل مختلف الجوائز الأدبيّة العالميّة المرموقة، اعترف عالم المؤلّفات الأدبيّة النّوعيّة أخيرًا بأنّ الكبار، مثل الصّغار، يستمتعون بالقصص الجيّدة. الفجوة بين المؤلّفات الأدبيّة الحائزة على جوائز والمؤلّفات الأدبيّة الرّائجة والعابرة للأجيال تقلّصت في السّنوات الأخيرة، بحيث نجحت بعض هذه الأعمال في سدّ الفجوة بين هذَين العالمَين.
يعيد البالغون اكتشاف المتعة الكامنة في القصص الجيّدة التي تسردها كتب الأطفال، حيث لا تقلّ أهميّتها عمّا كانت عليه في السابق. "يدرك الكبار تدريجيًّا أنّ مؤلّفي أدب الأطفال ربّما يقدّمون لهم شيئًا لا يقدّمه لهم مؤلّفو أدب الكبار"، يقول دافيد ألموند إنّ هذا "الشيء" هو "أثر السّرد" بمعنى أنّ الصفحات تنقلب من تلقاء ذاتها. توافق جوليا ألـﭬاريز على أنّ السرّ الكامن في الكتابة من أجل الأطفال هو "الوصول إلى عظام القصّة، العظام التي تجعل القارئ يقلب الصّفحات واحدة تلو الأخرى". يشير جميع مؤلّفي الأدب العابر للأجيال إلى أنّ القصة هي مصدر الجاذبيّة الواسعة النّطاق في أوساط القرّاء من جميع الأعمار. يميّز جوناثان سترود أدب الكبار عن أدب الأطفال على أساس القصّة: "عدد كبير من الأعمال الأدبيّة المعدّة للكبار يفتقر للسّرد القويّ. كتاب الأطفال النّاجح يجب أن يتخلّل سردًا قويًا". يدرك مؤلّفو أدب الأطفال أنّ لديهم جمهورًا متطلّبًا وحكيمًا. "الطّفل لن ينبهر بمحتوَى عصريّ ومُدّعٍ، يبهج بعض القرّاء الكبار"، يؤكّد ستراود.
يشير النّقاد منذ السّبعينات إلى القيود التي تُفرض على مؤلّفي أدب الكِبار والحريّة الممنوحة في مجال أدب الأطفال. في عام 1976، كتب مايلز ماكدويل أنّه "يُدّعى أنّ المواضيع التي يتناولها مؤلّفو أدب الكبار في عصرنا الحاليّ تقتصر على العلاقات الشّخصيّة وعلى الفرد في المجتمع، وأنّه من أجل الكتابة عن المغامرات والخيال، عن المبادرة والنموّ الفرديّ وعن فترات زمنيّة تختلف عن زمننا هذا، ومن أجل اكتشاف جزء من التّجارب النّموذجيّة الرّائعة، مثل البحث والتّنقيب ومواجهة شتّى المعضلات الأخلاقيّة، يتعيّن على الأديب اللجوء إلى أدب الأطفال أو إلى سوق "المؤلّفات الشّعبيّة" للكبار. لم يقتصر هذا الوضع على العالم الناطق بالإنجليزيّة، فقد تطرّق النّقّاد في أماكن أخرى إلى الموضوع نفسه. في كتاب La Infancia Recuperada، الصادر عام 1976، يقارن الفيلسوف والأديب الإسبانيّ فيرناندو سيـﭬاتير بين "معالجي" الجانرات الأدبيّة المركّبة وساردي القصص الحقيقيّين الذي يعرفون أنّ "سرد القصص هو أمر بسيط وساذج للغاي ، وأنّ هذه البساطة- السذاجة (ingenousness) هي أتيمولوجيّة (اشتقاقيّة): إذا أنّها مشتقّة من الكلمة اللاتينيّة ingenuus والتي تعنى "حُرّ، وسخيّ"، وبصورة أدقّ، "حرّ وغير مقيّد"، فالقصص غير مقيّدة، وتُنقل عن طريق ساردي القصص الأسخياء والأحرار. تتخطّى القصص جميع أنواع الحدود، من بينها الحدود العمريّة. كما رأينا، يدّعي العديد من الأدباء أنّهم لا يكتبون من أجل فئة عمريّة معيّنة، بل من أجل القصّة بحدّ ذاتها. يدعو مؤلّفو الأدب العابر للأجيال القرّاء من الأجيال المختلفة للاطّلاع على مؤلّفاتهم، ليس وفق تصنيفهم العمريّ، أو حتى وفق تجاربهم ومعارفهم المشتركة، بل وفق " قدرتهم على الاستمتاع بالقصص كأمكنة حيث يستطيع الكبار والصغار العيش معًا بسعادة". تسرد مؤلّفاتهم قصصًا ساحرة وشيّقة للكبار والصغار على حدّ سواء.
في الطرف المقابل لهذه المؤلّفات الأدبيّة، نجد روايات الكبار الشعبيّة الرائجة، التي تقابَل بنقد مماثل من قِبل العديد من القرّاء. أفضل المؤلّفات الأدبيّة، سواء أُعدّت للكبار، للقرّا ء الصغار أو للأطفال، هي تلك التي تلبّي حاجتنا لسرد مُرضٍ، وفي الوقت نفسه تتيح لنا المجال لإجراء استشفاف نفسيّ وفلسفيّ معمّق. مع أنّ مايك براين ( Penguin Classics) يؤمن بأنّ أنجح المؤلّفات العابرة للأجيال هي تلك التي توفّر "المتعة الانهزاميّة إلى أبعد حدود"، إلا أنّه يصرّ على أنّها تحتوي أيضًا "رسائل جديّة حول القِيَم". يوافق مؤلّفو الكتب العابرة للأجيال على أنّ الكتابة من أجل الأطفال تسمح لهم بالتطرّق إلى القضايا الجوهريّة التي تهمّهم، وبينما يجزم ميئيرسون أنّ روايات الأطفال غير قادرة على عرض "واقع حياة الإنسان" أو على تعزيز "الإدراك السيكولوجيّ"، يعتقد العديد من مؤلّفي الكتب العابرة للأجيال أنّها الوحيدة القادرة على ذلك. يشرح بولمان سبب تأليفه لكتب الأطفال "لا تزال كتب الأطفال تتناول قضايا مهمّة جدًا لطالما شكّلت جزءًا لا يتجزأ من عالم الأدب- الحُبّ، الإخلاص، مكانة الدين والعلم في حياة الإنسان، معنى الإنسانيّة، ولا يزال أدب الكبار المعاصر محدودًا وقاحلا نسبةً لما أحاول أن أحقّقه في كتاباتي". يعترف وليام نيكلسون أنّه "يُحرَج من تأليف كتاب للكبار يتطرّق مباشرةً لعوامل أخلاقيّة بديلة"، ويضيف قائلا إنّ "القضايا المتعلّقة بالله والجنّة، بالحياة والموت هي قضايا مركزيّة في حياتنا، ولكنّنا (نحن الكبار) نخجل من الحديث عنها. ولكنّك عندما تكتب للأطفال، يمكنك الإسهاب في سرد هذه القصص الشديدة الأهميّة". يريد الكبار اكتساب القدرة على تناول مثل هذه المواضيع، والكتب العابرة للأجيال كتلك التي ألّفها نيكلسون، بولمان وآلموند تتيح لهم ذلك.
يدعو مؤلّفو الكتب العابرة للأجيال القرّاء الصغار للتفكير في أسئلة فلسفيّة ملائمة لمختلف الأجيال، وذلك في شتّى الأعمال التي أصبحت كلاسيكيّات محبّبة على جميع الأجيال: Alice in Wonderland، Watership Down، The Mouse and his Child، Le Petit Prince وغيرهم. في كتابه Secret Gardens: A Study of the Golden Age of Children’s Literature (1985)، يعزو هومفري كاربنتر العصر الذهبيّ لأدب الأطفال، بعد عام 1860، إلى روح العصر، حيث كانت هناك حاجة للبحث عمّا يسدّ الفراغ الناتج عن فقدان العقيدة الدينيّة.

ادّعى بعض النّقّاد أنّ العصر الذهبيّ الحاليّ هو نتيجة لظاهرة مماثلة. يوجد للعديد من الكتب العابرة للحدود المعاصرة بُعد روحانيّ، وهي تتطرّق إلى قضايا وجوديّة وميتافيزيقيّة شيّقة، وأخصّ بالذكر أعمال جوساين غاردر وفيليب بولمان. يعزو النقّاد غالبًا جاذبيّة الكتب إلى محتواها الفلسفيّ المهمّ، ولكن توجد للقرّاء من جميع الأجيال اهتمامات ميتافيزيقيّة وتساؤلات حول المكان الذي أتينا منه والمكان الذي سنذهب إليه. تدّعي مايجا ليسا هارجو، وبحقّ، أنّ هذه المواضيع لا يجب أن تُعتبَر بعيدة عن متناول يد الأطفال، لأنّ "طرح الأسئلة الوجوديّة هو تحدٍّ يتعيّن على جميع بني البشر، من جميع الأجيال، مواجهته في مختلف المراحل الحياتيّة". يؤمن وليام نيكلسون بأنّ الأدب العجائبيّ (فانتازي) يلبّي احتياجًا روحانيًا لدى القرّاء الكبار، ولكنّه يعترف أنّ هذا الجانر ملائم للأطفال أيضًا: "هناك نوع من قصص المغامرات النفسيّة-الروحانيّة التي تلائم مجموعة عمريّة واسعة جدًا- 10-30 عامًا". قال أحد باعة الكتب ذات مرة لمؤلّف ثلاثيّة The Wind on Fire إنّه يستطيع بيع كتبه في قسم مؤلّفات "الروح، العقل، والجسد". نُسِبَ لدافيد آلموند جانر أدبيّ خاص به، يجمع بين الروحانيّة والواقعيّة الحضريّة والصارمة، التي تسمّى أحيانًا بالواقعيّة الروحيّة، الأمر الذي يجذب القرّاء الصغار والكبار على حدّ سواء، إذ أنّ البحث عن المعنى لا يقتصر على فئة عمريّة محدّدة.
يعترف الأدب العابر للأجيال بأنّ الأجيال المختلفة تتشارك التجارب، المعرفة، الرغبات والاهتمامات. تشير راشيل فولكونر إلى أنّ النّقّاد أمثال جاكلين روز لا يأخذون بالحسبان "الاستمراريّة بين تجربة الأطفال والبالغين". في مقالة صدرت عام 1986، تفيد ريبيكا ويست أنّ أدب لويجي ماليربا يدعونا لتركيز اهتمامنا على "الخطّ المجازيّ الذي يفصل ويجمع بين البالغين/الصغار في آنٍ واحد". بالرغم من الاختلافات القائمة في الأدب العابر للأجيال، إلا أنّها تعتبر ثانويّة نسبةً لأوجه الشبه. ثمّة ابتعاد عن الاستقطاب بين الأطفال والصغار، واعتراف بالصلة التي تربط بين القرّاء من جميع الأجيال. لا توجد فجوة فاصلة بين القرّاء الصغار والكبار، إنّما "استمراريّة إدراكيّة"، جاء في مقالة كارول سكوت Transcending Boundaries الصادرة عام 1999. تستخدم مايجا ليسا هارجو مصطلح "الاستمراريّة العابرة للحدود" للحديث عن الحيّز الفلسفيّ الناشئ عن الأدب العابر للأجيال، وهو حيّز يلتقي فيه القرّاء من جميع الأجيال، لتبادل تجارب مشتركة".
من خلال مقاومة الحدود التقليديّة القائمة بين المؤلّفات الأدبيّة للأطفال والكبار، يقدّم الأدب العابر للحدود تجربة قراءة مشتركة لجميع الأجيال. هذا الحماس المشترك حيال القصّة والقراءة ينطوي حتمًا على آثار اجتماعيّة وثقافيّة إيجابيّة. أعرب العديد من مؤلّفي أدب الأطفال عن أسفهم بخصوص الفجوة الكبيرة بين عالميّ البالغين والأطفال. يتطرّق بارت مويارت غالبًا إلى "التناقض بين امبراطوريّته الطفوليّة وعالم الكبار". يشعر جوستيان غاردر بأنّه في جميع المجتمعات، ربّما في الدول الغربيّة على وجه التحديد، هناك نهاية مثيرة للقلق "للتجربة المشتركة بين الأجيال"، إذ يرى بأنّ "الأطفال، الأهالي والأجداد يغوصون أكثر فأكثر داخل عوالمهم الخاصّة". يجمع الأدب العابر للأجيال بين القرّاء من مختلف الأجيال، ويوفّر نقاط إسناد (مرجعيّة) مشتركة. هذا التشارك الثقافيّ من قِبل القرّاء من جميع الأجيال يساهم في تعزيز التبادل والتفاهم بين الأجيال.
تقدّم لنا الكتب العابرة للأجيال قصصًا جيّدة مكتوبة بأسلوب يتراوح بين عالٍ وشديد الحنكة. النصّ النثريّ يُكتب ببراعة وإسهاب، ويكون غنيًا باللغة المجازيّة المعبّرة. يشعر النّقُّاد بأنّ بعض كتب الأطفال أُميلت إلى حدّ كبير نحو جمهور القرّاء الكبار، إذ أنّها تتطلّب مهارات قُرّاء كبار ومستويات فكريّة وعاطفيّة يُعتقَد أنّها غير ملائمة للأطفال. معظم مؤلّفي أدب الأطفال لا يتّفقون مع هذا الادّعاء. في تسعينيّات القرن الماضي، شجّع الأديب الدانماركيّ، كيم فوبز، الكُتّاب على "التغاضي عن مجموعة الهدف" وتقديم "قصص جيدة" للأطفال، مصرّحًا بأنّه "لا مشكلة في استفزاز وتحدّي الأطفال بواسطة شيء لا يفهمونه أو يستوعبونه بشكل خاطئ بعض الشيء". ولا يهمّ أيضًا ما إذا كان أحد محتويات الكتاب ملائمًا للكبار فقط". مع أنّ بارت مويارت كان صغيرًا في السنّ حينما بدأ بمعالجة المضامين والبنى السرديّة في بلجيكا، في مطلع الثمانينات، إلّا أنّه اختار عن وعي ما سمّته الناقدة أنيمي ليسين بـ "كتابة الكبار من أجل الشبيبة والصغار". من خلال توظيفه البارع للّغة واللّغة المجازيّة، تتحوّل "القصّة البسيطة... إلى رائعة أدبيّة حقيقيّة". كتبه المعدّة لجمهور الأطفال مكتوبة بنفس الصرامة الفنيّة التي كُتِبت بها مؤلّفاته العابرة للأجيال/المعدّة للشباب. في بعض الأحيان، تكون كُتب المؤلّفين أمثال بويارت أقلّ مناليّةً للقرّاء الصغار، ولكنّها "تتغلغل إلى أعماق مجهولة لدى الأطفال". من المعروف على نطاق واسع أنّ مويارت ألهمَ العديد من الأدباء في الدول الناطقة بالألمانيّة على إنتاج عدد أكبر من المؤلّفات "الأدبيّة" للأطفال. قبل أن تغيِّر ظاهرة الأدب العابر للأجيال الحاليّة مكانة أدب الأطفال، كانت لإبداعه ومساعيه الدؤوبة مساهمة كبرى في رفع شأن الأدب الفلمنكيّ عمومًا، وليس فقط أدب الأطفال الفلمنكيّ. بدأ النّقّاد والمعقّبون المحليّون والعالميّون، الذين اعتبروا أدب الأطفال سابقًا جانرًا أدبيًا بسيطًا، بإبداء اهتمام كبير بهذا الجانر بفضل مؤلّفي الأدب العابر للحدود أمثال بارت مويارت وآن بروفوست في بلجيكا، تورمود هوجن وجوستيان غاردار في النرويج، ويم هوفمان في هولندا ودومينيك ديمير في كيبِك.
حتّى عندما يوظّف مؤلّفو الأدب العابر للحدود النصوص النثريّة التي تعتبر بسيطة نسبيًا على المستويَين النحويّ والمعجميّ، غالبًا ما يكون النصّ مركّبًا وشيّقًا على المستوى المفاهيميّ. يرفض أنجح مؤلّفي الأدب العابر للحدود إتاحة الوصول إلى جميع محتويات القصّة بسهولة. يظهر ذلك بوضوح في نظرية الجبل الجليديّ في الأدب العجائبيّ لغارث نيكس، والتي تنصّ على أنّ القصّة هي فقط القمة المرئيّة للجبل الجليديّ، ويتعيّن على القارئ استيعاب وإدراك التسعين بالمئة المتبقيّة تحت السطح. يرى نيكس أنّ العديد من مؤلّفي الأدب العجائبيّ يقعون في فخّ الشرح المفصّل، ويفقدون "العنصر الأسطوريّ، حسّ الغموض". تثير الروايات العابرة للأجيال والمحفّزة للتفكير العديد من الأسئلة التي لم تتمّ الإجابة عنها بعد. تحتوي معظم النّصوص العابرة للأجيال مفاهيم محفّزة للتفكير، والتي تخاطب القارئ- سواءً كان صغيرًا أو بالغًا- على المستويَين الفكريّ والعاطفيّ. تؤديّ هذه النّصوص دورًا تحفيزيًّا وتنويريًّا للقرّاء الصغار والكبار ، وهي متاحة لجميعهم على حدّ سواء.
وفي حين أنّ القرّاء الصغار ليسوا ملزمين بفهم كلّ ما يتخلّله النصّ (وكذلك الكبار)، يشعر معظم النّقّاد بأنّ القرّاء الصغار في العصر الحاليّ يتمتّعون بقدر أكبر من الكفاءات الأدبيّة مقارنةً بأسلافهم. أطفال القرن العشرين هم مستهلكون أذكياء، منكشفون على نفس المؤثّرات الثقافيّة والتسويقيّة التي ينكشف عليها الكبار. يتطرّق العديد من مؤلّفي أدب الأطفال المعاصرين إلى صعوبة الكتابة لأطفال هذا العصر، من ذوي التوجّه النقديّ، والذين لا يحبّذون الوصاية الاستعلائيّة. "اكتبوا من أجلهم وخاطروا بإبعاد القرّاء عنكم"، يقول ريتشارد بيك، الحائز على ميدالية نيوبري لعام 2001. إيمانًا منه بأنّ القرّاء في مرحلة ما قبل المراهقة هم الجمهور الأصعب على الإطلاق، طلب كارل هايسن إضافة شرط تحوطيّ (وقائيّ) في عقد إصدار كتابين له في دار النشر Knopf، ليضمن نفسه في حالة فشل رواية Hoot. على مرّ السنين، رفض العديد من الأدباء تقديم تنازلات للقرّاء الصغار، إيمانًا منهم بأنّهم ملزمون بالتعمّق في القراءة لاكتشاف المزيد. النصوص الشيّقة قد تكون تميكينيّة، وربمّا ساحرة أيضًا، بالنسبة للقرّاء الصغار. في سلسلة "سبع قصص قصيرة"، يتطرّق بارت مويارت إلى مناليّة النصوص الأدبيّة للقرّاء الصغار. في “The French Chekhov”، يوضّح الكاتب أنّ "اللغة الصعبة أو الأدبيّة لا تستثني القرّاء بشكل مقصود"، وذلك من خلال استعراض تجربته عند مشاهدة النسخة الفرنسيّة لـمسرحيّة النورس في بروكسل. مع أن "لغة الطائر" فاجأته ولم ينجح في فهم نصف ما قيل في العرض، إلّا أنّ الأمسيّة تحوّلت إلى احتفاليّة استثنائيّة للعقل والقلب والحواسّ. بالنسبة لمويارت، فإنّ مناليّة النصوص الأدبيّة غير مرتبطة بالسنّ، إنّما بالتوجّه. في طُرفة بعنوان "الفتاة السعيدة"، يصف الكاتب لقاءه بفتاة صغيرة في العاشرة من عمرها، والتي أخبرته بأنّها أحبّت واحدة من أصعب رواياته. ذُعر الكاتب عندما وجد نفسه يفترض نفس فرضيّات غيره من الكبار، ويردّد تصريحهم المتكرّر: "هذا الكتاب غير مُتاح لأطفال في العاشرة من العمر". يرى الكاتب أنّ تكرار مثل هذه الأفكار يمنحها الشرعيّة والمصداقيّة، إلى أن تصبح حقيقيّة".
تطرح ظاهرة الأدب العابر للحدود سؤالا أساسيًا جدًا، ولكنّه جوهريّ: هل هناك سنّ ملائمة لقراءة كتاب ما؟ ظاهرة الأدب العابرة للحدود هي التي تجيب عن هذا السؤال: بالطبع لا. لماذا يجب أن يكون السنّ شرطًا مسبقًا للقراءة؟ لا يمكن حَشْد القرّاء داخل فئات عمريّة محدّدة بشكل صارم. لماذا يجب أن نقول للأطفال إنّ هذا الكتاب غير مُتاح لهم؟ يمكن لطفل في العاشرة من عمره الاستمتاع بقراءة سلسلة سيّد الخواتم وفهمها جيّدًا، بينما قد يتعسّر على طفل آخر في نفس السنّ القراءة أصلا. لا يحتاج القرّاء الصغار لمعرفة ما إذا كان الكتاب "مُعدًّا للصغار"، فهم بكل بساطة يقرؤون ما يثير اهتمامهم ويستهويهم، ويرفضون كلّ ما هو عكس ذلك. بالمقابل، يشعر القرّاء الكبار عادةً بالانزعاج عند قراءة كتب غير معدّة بوضوح "للكبار فقط". لماذا يُحرَج الكبار من قراءة ويني الدبدوب في منتصف العمر؟ لم يقل أحد إنّ Werther لغوتِه أو صورة الفنان في شبابه لجيمس جويس يجب أن تُقرآ من قِبل الكبار فقطـ في سنواتهم التكوينيّة، أو إنّ الموت في البندقيّة لتوماس مان أو البحث عن الزمن المفقود لمارسيل بروست يجب أن تُقرآ من قِبل كبار السن فقط.
تتخطّى الكتب العابرة للأجيال الحواجز المعترف بها تقليديًا في سوق المؤلّفات الأدبيّة، وتؤكّد على قدرة الأسلوب السرديّ على جذب مختلف الأجيال، متحدّيًا بذلك التصنيفات التي تخصّ المؤلّفين، القرّاء والنصوص. هناك العديد من القصص التي يدّعي الكبار والصغار ملكيّتهم الحصريّة عليها، وهذا التقليد قائم منذ فترة طويلة. "لطالما قرأ الصغار كتبًا مُعدّة للكبار، والعكس صحيح"، يفيد مارك هادون، الذي سوّقِت روايته The Curious Incident of the Dog in the Night-Time لكلا الجمهورَين في نفس الوقت. يبتعد الأدب المعاصر في الوقت الحالي عن التصنيفات العمريّة. في هذا العصر التكنولوجيّ، كسرت وسائل الإعلام المطبوعة والإلكترونيّة الحدود العمريّة التقليديّة. يرفض المؤلّفون والناشرون التمييز بين أدب الصغار وأدب الكبار، وبين القرّاء الصّغار والقرّاء الكبار، تمامًا كما ينتج صُنّاع البرامج التلفزيونيّة، الأفلام والألعاب مضامين ترفيهيّة لجميع الأجيال. في الثقافة العصريّة، هناك ميل لعدم التعامل مع بعض المضامين على أنّها ملائمة أو غير ملائمة لفئة عمريّة معيّنة، وقد أصبح معروفًا أنّ مختلف القرّاء، من مختلف الفئات العمريّة، يستطيعون الاستمتاع بنفس العمل. لقد أصبح الأطفال، المراهقون والكبار جزءًا من مجتمع لا توجد فيه للسنّ أهميّة قصوى، وأثبتت العديد من الكتب والأفلام، البرامج التفلزيونيّة وألعاب الفيديو أنّها قادرة على اجتذاب وإثارة اهتمام الأطفال، المراهقين والكبار على حدّ سواء.

تعليقات (0)

    إضافة تعليق

    أخبار متعلقة