ريم غنايم
يُعدّ أدب الناشئة فرعًا مميزًا من فروع الأدب الموجّه للفئة العمرية الممتدة من بدايات المراهقة وحتى نهايتها، ويُعنى بتناول التحولات النفسية، الاجتماعية، والمعرفية التي تميز هذه المرحلة الحيوية من النمو. ولا تقتصر وظيفة هذا الأدب على الترفيه أو المتعة، بل يتجاوزها ليُسهم في تشكيل الهوية الذاتية، وتنمية الوعي، وتعزيز مهارات التفكير النقدي والتعبير العاطفي.
من خلال تقديم محتوى سردي يراعي طبيعة القارئ الناشئ، يوفّر هذا الأدب مساحة لفهم الذات والعالم، ويُهيّئ المراهق للتعامل مع القضايا الوجودية والاجتماعية المعقدة بما يتناسب مع نموه الإدراكي والانفعالي، كما توضحه نظريات مثل نظرية النمو المعرفي لجان بياجيه، والنمو النفسي الاجتماعي لإريكسون. وبهذا المعنى، يشكّل أدب الناشئة وسيطًا ثقافيًا وتربويًا فاعلًا في بناء الشخصية، ومرافقة الفرد خلال انتقاله التدريجي من عالم الطفولة إلى مرحلة النضج والاستقلال.
يُصنّف هذا الأدب، بحسب عدد من الباحثين، ضمن ما يُعرف بـ"أدب التكوين" أو Bildungsroman، وهو نمط أدبي يرافق الشخصية الرئيسية في رحلتها نحو النضج وتطور وعيها بذاتها وبالعالم من حولها. يتميّز هذا النوع بتركيزه على الذات الناشئة في لحظات التحول، وغالبًا ما يُقدَّم بلغة حوارية تعتمد على قوالب سردية مثل الاعتراف، اليوميات، أو التأمل الشخصي.
ولا تقتصر قراءة هذا الأدب على استكشاف جوانبه الجمالية أو لغته الأدبية، بل تتسع لتشمل ما يقدمه من أدوات تربوية، وأبعاد نفسية، وإحالات سوسيولوجية، تُساعد الناشئ على إعادة التفكير في ذاته ضمن سياقات اجتماعية ووجودية متغيرة.
وفي ظل التحديات التي يواجهها أدب الناشئة العربي، خاصة من حيث ندرة الإنتاج الجاد الذي يراعي البعد السيكولوجي والتربوي، تبرز بعض المحاولات المعاصرة التي تسعى إلى تجاوز الأسلوب التقريري والطرح الوعظي، والاقتراب أكثر من العالم الداخلي للناشئة بلغتهم الخاصة، وأسئلتهم، وتحدياتهم.
من بين هذه المحاولات اللافتة يبرز كتاب قصة يوسف: مذكرات من العام الغريب للكاتب المصري أحمد ثروت (الصادر عام 2025)، بوصفه تجربة سردية تمزج بين الواقع والتخييل، وتنفتح بذكاء على قضايا الهوية، الفقد، والمرحلة الانتقالية التي يمر بها المراهق في زمن استثنائي.
تُجسد هذه الرواية نموذجًا لأدب ناشئة يُراعي الخصوصية النفسية للقارئ اليافع، ويُفعّل دور الأدب في تشكيل وعيه، بلغة قريبة منه، وبنية تربوية ضمنية تنسجم مع معايير النمو والتعلُّم في هذه المرحلة الحساسة.
يقدّم الكاتب أحمد ثروت في عمله الأدبي الموجّه للناشئة تجربة سردية مميزة تمزج بين اليومي والخيالي، وبين الوعي الفردي والاجتماعي، في قالب بسيط ظاهريًا، لكنه غني بالدلالات النفسية والتربوية. تدور القصة حول شخصية "يوسف"، فتى في مطلع مراهقته، يوثّق رحلته خلال فترة الجائحة، بما تحمله من اضطراب، فقدان، وتغيرات اجتماعية عميقة. وعلى الرغم من أن القصة تنطلق من أحداث خارجية، فإنها في جوهرها ترصد تحولات داخلية أعمق، تصقل وعي يوسف وتُسهم في تشكيل شخصيته وتطوير قدراته على التعبير والنضج.
قراءة هذا الكتاب لا تعني فقط تتبع حكاية فتى يتنقل بين البيت والمدرسة والحي، بل تعني الدخول في تجربة تعليمية وانفعالية متكاملة. فالقارئ لا يواكب مسارًا سرديًا فحسب، بل يرافق عملية نمو معرفي وعاطفي تتم على مراحل، وتتفاعل مع العالم من حولها.
لا يتلقّى يوسف دروسًا جاهزة، بل يعيش مواقف واقعية، يتفاعل معها، يطرح الأسئلة، ويكتشف من خلالها معاني جديدة. ومن خلال هذه التجربة، تتشكل لدى القارئ الناشئ مجموعة من المهارات الجوهرية: القدرة على السؤال بدلًا من التلقين، والملاحظة بدلًا من التقليد، والتحليل بدلًا من القبول الأعمى.
يتجلّى في هذا العمل حضور واضح لمهارات التفكير النقدي، من خلال قدرة يوسف على تحليل الأسباب، وطرح الأسئلة، والتأمل في سلوك الآخرين. كما يُبرز النص أهمية مهارات التكيف، والوعي الصحي، والمسؤولية تجاه الذات والمجتمع. لا يتعامل يوسف مع مرض صديقه مينا، وفقدانه، وتبدّل ملامح الحياة اليومية كأحداث عابرة، بل كتحولات جوهرية تدفعه لإعادة النظر في مفاهيمه، وموقعه داخل هذا الواقع المتغيّر.
حين يكتب: "أنا حزين لفراقك يا مينا"، لا يُعبّر فقط عن لحظة حزن، بل يدخل عميقًا فيما وصفته إليزابيث كوبلر-روس بمراحل الحزن الخمس، من الإنكار والغضب إلى الاكتئاب، فمحاولة الفهم والتأقلم. هذه التجربة ليست فقط موقفًا شعوريًا، بل لحظة تعليم عاطفي شديدة الأهمية للقارئ الناشئ، تتيح له أن يُدرك تعقيد الفقد، ويتفاعل معه بطريقة إنسانية ناضجة.
من خلال هذا النوع من السرد، يتحول النص إلى مساحة يتقاطع فيها الأدب مع التربية، ويتحوّل القارئ الصغير إلى شريك في التجربة، لا مجرد متلقٍ. فهو لا يقرأ مشاعر يوسف من الخارج، بل يعيشها من الداخل، ويتعلّم من خلالها أن الفهم الحقيقي لا يأتي بالإجابات، بل بالأسئلة، والتأمل، والاعتراف بالمشاعر.

في المقابل، تلعب شخصية "بودو"، الصديق المتخيَّل، دورًا نفسيًا محوريًا لا
يقل أهمية عن الشخصيات الواقعية في حياة يوسف. فـ"بودو" لا يُمثل مجرد عنصر خيالي في السرد، بل يشكّل آلية دفاع نفسي تمنح يوسف مساحة آمنة للتنفيس والتفكير بصوت عالٍ. يظهر هذا الدور بوضوح في ضوء ما طرحه فرويد عن آليات التكيف النفسي، حيث يمكن للخيال أن يتحول إلى أداة للفهم، والدعم الذاتي، خاصة في غياب بيئة حوارية حقيقية.
يوسف لا يهرب من واقعه حين يتحدث مع "بودو"، بل يعيد ترتيبه بطريقته الخاصة. ومن خلال هذا الحوار المتخيّل، يُعلّم القارئ الناشئ أن مواجهة العالم لا تبدأ دائمًا بالخارج، بل قد تبدأ من حوار داخلي صادق، حتى وإن جاء على لسان شخصية من نسج الخيال.
في مشهد آخر، حين ينهار يوسف بالبكاء بعد أن يدرك مسؤوليته في فشل فريقه وشعوره بالعزلة، يُقدّم النص نموذجًا تطبيقيًا لبناء الهوية الذاتية. لا يُصوَّر الانهيار العاطفي هنا كعلامة ضعف، بل كلحظة تحوّل وجودي، يبدأ فيها الطفل بتشكيل وعي أخلاقي نابع من تأمله في أفعاله، ومراجعته لعلاقاته بالآخرين.
تلك اللحظة، بما تحمله من انكشاف نفسي، تفتح أمام القارئ الصغير بابًا لفهم الذات بشكل أعمق، وتشجعه على ممارسة التأمل الذاتي بجرأة وصدق، دون خشية من الضعف، بل باعتباره جزءًا أساسيًا من النمو والنضج.
في لحظة قد تبدو بسيطة لكنها محورية، يجد يوسف نفسه ممزقًا بين خيارين: حضور تمرين موسيقي مهم، أو استقبال "سارة" في منزله. هذا التردد لا يعكس فقط صراعًا عابرًا، بل يُجسّد تعارضًا داخليًا بين حاجتين الحاجة إلى الانتماء، والحاجة إلى الإنجاز. هذا الموقف يكشف وعيًا أخلاقيًا متقدمًا لدى يوسف، حين يبدأ بربط قراراته ليس فقط برغباته الشخصية، بل بتأثيرها على الآخرين من حوله.
لكن هذه التحولات لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الأوسع، إذ تتجاوز الأبعاد النفسية لتلامس قراءات اجتماعية وثقافية أعمق. وفقًا لتحليلات العالم الاجتماعيّ بيير بورديو حول الفعل والحقول الاجتماعية، يمكن النظر إلى "مذكرات يوسف" كفعل رمزي يعيد من خلاله الراوي تشكيل موقعه داخل الحقول التي يتحرك فيها: العائلة، المدرسة، الحي، والمجال الفني. فالكتابة هنا ليست مجرد تعبير ذاتي، بل أداة لإعادة توزيع "رأس المال الرمزي" الذي يُعرّف مكانة الفرد في مجتمعه.
يوسف لا يكتفي بسرد تجربته، بل يفعّل من خلالها قدرته على إعادة بناء صورته الذاتية، في مواجهة ما يُفرض عليه من أدوار أو مواقع اجتماعية جاهزة. بهذا المعنى، يتحوّل من موقع المتلقّي إلى فاعل يصوغ المعنى، ومن خانة الانضواء إلى مساحة المبادرة والتشكيل.
هذا التشكيل الهويّاتي لا يحدث خارج اللغة، بل يتجلّى من داخل السرد نفسه؛ حيث تظهر بوضوح آلية "الانعكاسية" كما صاغها بيير بورديو، عبر قدرة يوسف
على تأمّل ذاته كنتاج اجتماعي سابق، ثم التفاوض مع هذا الإرث وإعادة تأطيره ضمن سردية جديدة، أكثر اتساقًا مع تحوّلاته الشخصية. إن تدوين المذكرات، بهذا المعنى، لا يُعدّ مجرد فعل شعوري، بل يُصبح صيغة من صيغ الفعل الاجتماعي الرمزي، يعيد من خلالها الناشئ تشكيل ذاته، وعلاقته بالآخرين، ضمن سياق متغيّر يمسّ المجالين العام والخاص معًا.
ولا يتوقف النص عند البُعد الفردي، بل يُوسّع أفق يوسف تدريجيًا نحو فضاء المسؤولية الجماعية. مشاركته الفعالة في تقديم الدعم لجيرانه خلال أزمة كورونا تُشير إلى انتقاله من موقع المراقب إلى موقع الفاعل، ومن العزلة الفردية إلى الانخراط في شبكة اجتماعية أوسع. إنه تحول يؤكد أن التعلّم الحقيقي لا يحدث فقط في الفصول الدراسية، بل في الحياة نفسها، من خلال التجربة، والمشاركة، والتفاعل المباشر مع الواقع.
ومن خلال شخصية يوسف، يتعرّف القارئ على أشكال متعددة من التعبير عن الذات: بالكلمات، بالبكاء، بالموسيقى، بالخيال، وأحيانًا بالصمت. يكتب يوسف مذكراته كمحاولة لفهم ذاته، وهو ما يحفّز القارئ الشاب أيضًا على اكتشاف أدواته الخاصة للتعبير، وصناعة فضائه الداخلي وسط عالم مرتبك.
هذا النوع من الأدب لا يقدّم للطفل حكاية للمتعة فقط، بل يمدّه بلغة جديدة للتعامل مع قلقه، وأسئلته، وعلاقته بالذات والآخر. إنه أدب يُشجّع على التأمل، ويُوسّع الأفق ليشمل ما هو أبعد من اليوم الدراسي أو تقييم الدرجات، فيمنح الناشئ المساحة التي يحتاجها ليعيد ترتيب عالمه، من الداخل إلى الخارج.

ينقل النص رسائله العميقة دون أن يُصرّح بها مباشرة، ما يجعله أكثر تأثيرًا وصدقًا. يفهم القارئ من خلال التجربة أن لا أحد ينجو بمفرده، وأن العمل الجماعي هو القوة الحقيقية في مواجهة الأزمات، سواء كانت داخل ملعب كرة قدم، أو في حي صغير، أو ضمن عائلة تمر بظروف ضاغطة. وبالقدر ذاته، يتعلم أن الفشل ليس نهاية، بل جزء طبيعي من الحياة، وأن الحزن، والغضب، والمشاعر المعقدة لا تُعدّ ضعفًا، بل هي بداية حقيقية لمسار النضج.
تمتلك هذه القصة طاقة تربوية هادئة، تجعلها صالحة لأن تُقرأ بشكل فردي، أو تُناقش في مجموعات قراءة، لأنها تفتح أبوابًا متعددة للنقاش حول الصداقة، الفقد، التصالح مع الذات، أهمية الفن، قيمة المبادرة، وأثر الكلمات. ولأنها مكتوبة بصدق، بلغة قريبة من وجدان القارئ الناشئ، فإن أثرها يمتد إلى ما بعد لحظة القراءة، ويبقى عالقًا في الذاكرة كجزء من تجربة شخصية.
ورغم قلة النصوص العربية التي تتناول المراهقة من الداخل، يمكن اعتبار "مذكرات يوسف" تجربة قريبة – ولو جزئيًا – من أعمال مثل يوميات آن فرانك، من حيث توظيف الكتابة اليومية كأداة لفهم الذات ومواجهة ظرف استثنائي، أو من روايات جيل أدب الحرب الأوروبي، حيث يصبح التدوين فعلًا مقاومًا للنسيان والتهميش. غير أن ما يُميز يوسف هو أنه لا يكتب فقط لتوثيق الخسارة، بل ليُعيد تشكيل هويته في عالم يتغيّر من حوله. وهذا ما يُضفي على
النص قيمة مضاعفة، خاصة في السياق العربي، حيث لا يزال التعامل مع الناشئة قائمًا – في كثير من الأحيان – على التوجيه من أعلى، لا على الإصغاء الحقيقي لصوت الداخل.




تعليقات (0)
إضافة تعليق